Get Adobe Flash player

أن ينبري زعيم أو سياسي ما، للدفاع عن سياساته، ونهجه، وسلوكه، وممارساته، وأدائه، وان يُبعد عنه التهم التي توجَّه اليه، من آن الى آخر، فهذا أمر بديهي. وإذا تصدّى لمن يريد النيل من محازبيه، أو أعوانه أو مؤيديه، فهذا أمر طبيعي ايضاً. فالحياة السياسية تتحمل الكثير من المد والجزر، والأخذ والعطاء، الفعل ورد الفعل، الهجوم والدفاع، التبرئة والاتهام… لكن رغم كل شيء، هناك ضوابط وأصول وحقائق، لا يمكن لأحد أن يتجاهلها، أو يتجاوزها، أياً كان موقعه وموقفه، ومكانته، بحيث يبقى القانون فوق الجميع، يحدّد الحقوق والواجبات، على أن لا تُعفى منه فئة من دون أخرى، أو زعيم سياسي أو مسؤول من دون آخر. إذ لا يمكن التفريط بالعدالة والقانون، تحت أي ذريعة كانت، لأن العدالة إذا اهتزّت في بلد ما، تهتزّ معها كل مقومات الدولة الدستورية ومؤسساتها، لأنه في ظل غياب وتقهقر سلطة القانون، لن يبقى هناك رادع، أو مساءلة، أو حسيب، أو ملاحقة أو قضاء.

 

لقد عبث الحكام والزعماء والسياسيون في لبنان، على مدى عقود، ومنذ استقلاله، بجوهر الدستور وروح القوانين، وحجّموا القضاء وسيّسوا القضاة، بحيث إنهم شكّلوا في ما بينهم منظومة فساد متحدة لا مثيل لها، توافقوا عليها، وعلى العبث بالقوانين، وخرقها في كل صغيرة وكبيرة، ليصبح القانون وجهة نظر لكل زعيم وسياسي ومسؤول، يطبقه أو يرفضه أو يتجاوزه متى شاء، من دون ملاحقة أو رقيب، لأن له الجرأة الكاملة، على ان يتخذ قراراً عكسياً، حتى وإن كان ذلك ضد مصلحة البلد، وحقوق العامة من الشعب. المهم بالنسبة له، ه‍و أن يتناسب قراره مع غاياته الشخصية، ومنفعته ومصالحه الخاصة دون سواها، وإن لقي في ما بعد معارضة، وانتقادات، تطاله بالشخصي، أو تنديداً شعبياً، أو هجوماً عليه من وسائل الإعلام. فهذا آخر همّه، ولا يعنيه، إذ لا يهزّ سلوكه الوقح كرامته، ولا يحرّك ضميره الميت، طالما يشعر بقناعة تامة أنه سيّد نفسه، وصاحب القرار الذي يتّخذه، وهو بالتالي المحصّن من طائفته أو زعيمه، أو من كتلته السياسية. هذا السلوك المعيب والقبيح، المفتقر للإحساس الوطني، هو الذي أوصل البلد الى ما وصل اليه اليوم من الفساد والإفساد، والانهيار السياسي، والمالي، والاقتصادي، والأخلاقي، والاجتماعي، والمعيشي.

لم يقتصر هذا السلوك والتصرّف على زعماء وسياسيين ومسؤولين فقط، إنما وصل الأمر وللأسف الشديد الى مرجعيات روحيّة، التي كان عليها أن لا تنزلق الى متاهات السياسة والسياسيين، والتموضع داخل البيوتات السياسية والحزبية، وإنما تلتزم بروح القوانين الإلهيّة، القائمة على الحق والعدل، وأن تقف في وجه كلّ طاغ أو باغ، أو مُفسِد أو فاسد، وأن لا تزجّ نفسها في أمور لها طابع شخصي، ترتبط بسياسي من هنا أو بزعيم من هناك، أو بمسؤول متّهم تلاحقه العدالة لمساءلته والتحقيق معه، أو ملاحقته ومن ثم محاكمته.

كيف يمكن لمرجعيّة روحيّة ما، أن تقنع أتباعها بصدقيتها، وترفّعها، وحيادها، والتزامها الكامل بالقيم الدينية والأخلاقية، وبمفاهيم العدالة الحقة، عندما تنبري فجأة للدفاع عن سياسي نافذ أو موظف مسؤول، تطرح حوله علامات استفهام مريبة، ومثيرة حول أدائه، ومدى نظافة كفه، ونزاهته، لتنتفض المرجعية فجأة، وتضع نفسها مكان القضاء، لتصدر حكمها العاجل المسبق، المستند الى حيثيات طائفية لا أكثر، لتُبطل أيّ تحرّك من قبل السلطة القضائية، وهذا أمر يتنافى مع كلّ الأعراف والقوانين والأصول والحقوق المتبعة في العالم.

كيف يمكن لمرجعيّة ما، أن تأخذ قرارها المبرم، قبل أن تطلع بعمق، على ملفات مشبوهة تتعلق بمسؤول مشتبه به، وهي ملفات ليست من اختصاصها، ولا من صلاحياتها أصلاً للنظر فيها. ألا يشكل هذا التصرف المعيب إساءة للدولة، والإدارة المعنية، والقضاء والعدالة، وانحيازاً سافراً غير مقبول بأيّ صورة من الصور، لجهة فريق أو شخص؟! لماذا هذا التصرف النابع من نزعة طائفية مقيتة، دون الأخذ بالاعتبار الضمير، والعدل، ومصلحة البلد والناس؟! أهذا هو القانون الإلهي الذي تريد مرجعيات روحية تطبيقه، ولمصلحة مَن؟! لماذا في كلّ مرة يريد فيها القضاء وضع يده على ملف فاسد، تتحرّك مرجعية ما، مدفوعة بالحساسيات والخلفيات الطائفية، لتنتفض فجأة في وجه القضاء، ترفع صوتها النشاز، وتلوّح بالخطوط الحمر، وما أكثر الخطوط الحمر في هذه الأيام؟!!

الا تشكل الخطوط الحمر لمرجعيّة تزجّ نفسها، تحدياً مشيناً للعدالة والقضاء معاً، تثبت فيه، أنها منحازة بشكل سافر لفريق أو شخص، وإنْ كان هذا الانحياز يضرب بالصميم مسيرة القانون والأخلاق والمجتمع ككل، ويشجّع على الفساد، طالما أنّ الفاسد يجد له، سنداً ودفاعاً ودعماً، وتعظيماً ومباركة من طائفته؟!

هل المرجعيّة في خدمة المظلومين ام في خدمة المحظوظين؟! أهي في خدمة المسحوقين، ام في خدمة الخارجين عن القانون؟! هل القانون الإلهي الذي تحتمي وراءه مرجعية روحية ما، ينصّ على حماية الفساد والفاسدين، وتوفير الغطاء الشرعي لسياسيين، ومسؤولين أفقروا وجوّعوا رعاياهم، والدفاع عنهم في كلّ صغيرة وكبيرة؟! إنّ أيّ مرجعية روحية يحتم عليها الوقوف بجانب الحق والعدل، وبجانب الفقراء والمنهوبين ظلماً، ورفع التعدّي والغبن عن أبناء الشعب المقهور، ومحاربة الفاسدين، وهي لكلّ الناس من دون استثناء. لكن ان تنصّب نفسها، لحماية مسؤول فاسد من هنا، وموظف مرتشٍ من هناك، أو الدفاع عنه لغاية في نفس يعقوب، ثم ترفع راية الخط الأحمر، لتعطيل العدالة، فهذا يعني أنها تساهم مباشرة في استفحال الفساد، وشلّ العدالة، واستمرار تمادي المفسدين.

فعندما تكون المرجعيّة الروحيّة، في خدمة السياسة والسياسيين، ينتفي حيادها، ولن تكون لكلّ أبنائها، وانما تتصرّف باستنسابية، تخرج عن جوهر الدين، فترضي ظلماً طرفاً، على حساب الٱخرين.

إنّ أيّ مرجعية روحية، هي للجميع، خاصة عندما يتعلق الأمر بحقوق الانسان والمواطن، ومستقبله وحياته، بمعزل عن ديانته وطائفته ومذهبه وانتماءاته العقائدية والسياسيّة. عليها أن تتحسّس بأوضاع الناس والدفاع، عن المظلومين، وأن لا تنجرف في التعاطي سلباً مع الإجراءات والملاحقات القضائيّة لمسؤول ما، من خلال المفهوم الطائفي الضيق. عليها التصدّي لكلّ انحراف أو فساد بكلّ أشكاله، من ايّ جهة أتى، أو شخص ما، فالأمر لا يستقيم الا بالحق، اياً كان دين المسؤول أو طائفته.

أهي النزعة الطائفية ام المذهبية التي تحرّك المرجعية الروحية، عندما تصرّ على الوقوف بجانب مَن يلاحقه القضاء، أو يطاله تدبير إداري، أو يخضع لمناقلة وظيفية عملاً بالقانون؟! أم انها نزعة تدخل في إطار المصلحة الشخصية، والخصوصية المذهبية، والمحسوبية، تلجأ اليها مرجعيات روحية، في كلّ مرة، تجري فيها تعيينات مختلفة في مؤسسات الدولة، تتعلق بسياسيين، وإداريين، ودبلوماسيين، وقضاة، وضباط، وأكاديميين، وخبراء وتقنيين وغيرهم، في المناصب والأماكن الحساسة! عندما تقف مرجعية روحية ما، وراء تعيين محظوظين غير أكفاء، في مراكز فضفاضة عليهم، وغير مناسبة على قياسهم، ألا يشكل هذا في ما بعد، عبئاً ثقيلاً على طائفتهم المرجعية، ولا يخدم الهدف الوظيفي والوطني، بل يسيء مباشرة وبالصميم الى سمعة وأداء القيّمين عليها امام الشعب كله؟! وهل يعقل أن تحتضن مرجعية روحية، جماعة أو فريقاً سياسياً معيناً، من لون واحد، لتطلق من مقرّها مواقف سياسية طائفية، تدغدغ مشاعر البعض غريزياً، ويرفضها البعض الآخر منطقياً ووطنياً! هل الانحياز لطرف يخدم الطائفة ككلّ، ويحافظ على وحدتها وتماسكها، أم أنه يزيد الشرخ في صفوفها؟! أليس من الأفضل والأنسب أن تكون المرجعية الروحية، على مسافة واحدة من الجميع، وأن تقول كلمة الحق، حيث يجب أن تكون، دون خلفيات مشبوهة، تطرح تساؤلات وعلامات استفهام كبيرة، وأن لا تزجّ نفسها في الوقوف، إلى جانب جهة أو فريق أو أشخاص، راكموا كمّاً كبيراً من الممارسات خلافاً للقانون، ومن التجاوزات

السياسية والمالية، وإجراء الصفقات غير المشروعة؟! ألا يتوجّب على أيّ مرجعية روحية ألا تعيق مهمة القضاء وسلطته، والتوقف عن التدخل في شؤونه، في كلّ مرّة يريد النظر والتحقيق في ملفات حساسة ترتبط بمتهمين، كانوا السبب الرئيس وراء الانهيار الاقتصادي والمالي، وإفلاس المواطنين وقهرهم وإفقارهم، وسرقة جنى عمرهم.

أليست الطائفية نقمة وعلة مستعصية من علل لبنان؟! فعندما تتدخل الطائفية في كلّ صغيرة وكبيرة، ويكون هناك من يحرّضها، ويدفع بها ليأخذها بعيداً…. فأيّ دولة وأيّ مجتمع وأيّ شعب نريد؟!

الطائفية تفتّت ولا شك، وحدة الشعب ونسيجه الوطني، وتقضي على هويته الحقيقية، وعلى قوميته التي وجدت لتحتضن الشعب الواحد، بكلّ أديانه وطوائفه وعقائده. فعندما يتقدّم المفهوم القومي الجامع، تتراجع أمراض الطائفية، وتتظلل الطوائف تحت عباءة المبادئ القومية، والوحدة الوطنية الحقيقية، التي لا تفرّق بين إنسان وإنسان. فهي تبعد النزعة الطائفية التي تجعل مرجعية روحية ما، تدافع عن مسؤول أو موظف أو سياسي، يتبع لها ويخصّها، أو مهاجمة آخر يتعارض معها، ولا ينتمي اليها.

إنّ مواقف بعض المرجعيات، بتصرفاتها ومواقفها وأدائها المنحاز لفريق ضدّ آخر، أوْجدت شرخاً داخل الطائفة الواحدة، فبين داعم للنهج الطائفي ورافض له، وبين مقرّب محسوب على المرجعية ومبعَد عنها، بين مؤيد لسياساتها ومعارض لها، بين انتهازي منتفع محظوظ، وإنسان شريف مغبون، أصبحت بعض المرجعيات وللأسف الشديد، في وضع لا تُحسَد عليه، نظراً للغمز واللمز، والتهكّم عليها، والانتقادات والاتهامات التي تطالها، وتطال القيّمين عليها، داخل المجالس، والاجتماعات، والمنتديات، والصالونات، وغيرها

إنّ دور المرجعيات الروحية، هو لحماية القيم الدينية والأخلاقية الحقة، والوقوف بحزم بجانب الفقراء والمهمّشين، والمظلومين، والمنهوبين من قبل حفنة من اللصوص، لا أن ترفع الخطوط الحمر في وجه الدولة، والقضاء، والمؤسّسات، وتغطي بمظلتها المفسدين، وتمنع العدالة من ملاحقة المختلسين، والمسبّبين في قهر الشعب، والناهبين أموال الناس. فالسارقون الناهبون مكانهم داخل السجن، ولا داخل الخطوط الحمر للمرجعيات الروحية، التي توفر لهم الملاذ والأمان، وتتيح لهم التهرّب من وجه العدالة ببركتها ورضاها، وحمايتها لهم.

نقول للمرجعيات الروحية، انحازوا الى الفقراء، والمعذبين، الى الكادحين، والجائعين، الى الباحثين عن عمل ولقمة العيش، ولا تنحازوا لأباطرة المال والنفوذ، والاحتكاريين، وطلاب المناصب، والساعين وراء الوجاهة والزعامة والمصلحة الشخصية. فالأنبياء والرسل لم يأتوا من أجل هؤلاء، ليدخلوهم ملكوت السماوات، وانما أتوا من أجل المؤمنين الصالحين الحقيقيين، ملح الأرض، يروونها ويسقون حياتهم، بعرقهم ودموعهم ودمهم، يعرفون الحق من الباطل، ويعرفون مخافة الله، التي لا تعرفها قلوب الباحثين عن الثروة والمال الحرام… لا تطلبوا من رعاياكم، العودة إليكم، والانصياع لكم، والالتفاف حولكم، بل عودوا أنتم الى احضان الشعب، ومطالبه ونداءاته، وصرخاته وجوعه، وآلامه… الشعب لم يعُد يكترث لخطاباتكم ومواعظكم وتصريحاتكم ومواقفكم، بعد أن عرف جيداً أنكم في خدمة طبقة عاجية فاجرة، تقبض على البلاد والعباد، تحوز على رضاكم وحمايتكم، بينما هو في عالم آخر منبوذ، مهمّش، لا يضمّ سوى البؤساء والمقهورين، والمعذبين في الأرض.

(البناء)