قالوا لنا إن الشعب خرج في سوريا من المساجد ليعبر عن سخطه على تردي الأوضاع الإقتصادية والسياسية وعلى تقييد حرية الفرد وانتهاك حقوقه. ننتظر منذ أربع سنوات ونيف ظهور المشروع الثوري الذي يترجم المطالب الجماهيرية المحقة في صيغة، واقعية قابلة للتنفيذ، مقنعة، أو بالأحرى صالحة لكي تستخدم كوسيلة تربوية، إجتماعية وسياسية، لرفع مستوى الوعي الوطني، إخلاصا وأمانة للشراكة الوطنية وإدراكا لمعنى المصير المشترك. لم نر شيئا حتى الآن يبشر بالأمل. بل بالضد من ذلك. نحن حيال حرب حقيقية تدور فيها المعارك بالمدافع والطائرات والدبابات على مختلف الجبهات، وبواسطة عدد كبير من الأطراف والجنسيات.

لعل خير دليل على ما يجري في سوريا، هو ما نستشفه من مقالة وقعها قبل يومين، وزيرا خارجية فرنسا وبريطانيا. العجوزتان الإستعماريتان. فلقد أوجزا أهداف الثورة التي يدعمانها في سوريا بإخراج الرئيس السوري من السلطة، حتى لو اقتضى ذلك التوافق مع أجزاء من «سلطة» هذا الأخير !. للتذكير هذان الوزيران هما من «أصدقاء الشعب السوري»، علما أنهما «من أصدقاء المستعمرين الإسرائيليين» أيضا ومن المدافعين عن سياسة الأخيرين، الإستيطانية والإجرامية، في قطاع بوجه خاص! ناهيك عن عضويتهما في حكومات تسير في النهج الذي تحدده لها الولايات المتحدة الأميركية. ليس من حاجة إلى التذكير أيضا، بالعلاقات التي تربط حكومتيهما بالمملكة السعودية وغيرها من مشيخات الخليج، كإمارة قطر!

يتساءل المراقب عن مبررات الإصرار على رفض «شخص» الرئيس، أو على استبدال شخص بآخر في قمة السلطة. كأن وجود شخص معين هو القضية الأساسية، العصا السحرية. هذا يحتوى ضمنيا على دلالات مفيدة عن طبيعة السلطة، في بلاد لا نستطيع القول انها بلغت مرحلة الدولة. تجدر الملاحظة هنا أن المستعمر القديم رغم تجدده، ما زال يحافظ على الإمتياز الذي يمنحه حق اختيار الرئيس والوزير في البلاد التي كان يستعمرها سابقأ. «حمل الرجل الأبيض»!

مجمل القول أن مداورة الأزمات التي تأخذ بلادنا نحو متاهات ليس الرجوع منها مضمونا على الإطلاق، تعيدنا هذه المداورة في أغلب الأحيان إلى مسألة السلطة. لمّحت في مقالات سابقة إلى أن فشل المشروع الوطني في لبنان مرده من وجهة نظري إلى قصر نظر المارونية السياسية ثم السنية السياسة من بعدها. لقد فضلت كل واحدة منهما بدورها، التشبث بالسلطة على حساب بناء الوطن لكل مواطنيه على أساس المساواة وإلغاء نظام المذهبية السياسية. من المرجح في هذا السياق أن لب المأزق اللبناني، هو في اجتماع الظروف التي ساعدت المقاومة على تحرير الجنوب من الإحتلال الإسرائيلي، في الوقت الذي كانت فيه السلطتان المارونية والسنية، تبحثان مع الإسرائيليين عن إتفاقية ! ليس مفاجئا أن يكون نتج عن هذا كله سلطة ثالثة، حررت الأرض، سمها أن شئت، سلطة شيعية ! أنا على يقين في السياق نفسه من أن خوف «السلطة السنية» في العراق، من «السلطةالشيعية» في إيران، كان عاملا اساسيا من عوامل الحرب التي حطمت العراق. من البديهي، أن الحرب على سوريا هي في بعض أوجهها، حرب مذهبية أيضا. تجدر الإشارة هنا، إلى ان العراقيين قاتلوا الإيرانيين كوطنيين عراقيين، قبل أن تصيبهم لوثة المذهبية. لم يبق إلا الأمل في أن تقوى مناعة السوريين ضد المذهبية، حتى تبقى سوريا!

(الديار)