Get Adobe Flash player

 

«المتطوّعون»، «المقاتلون»، «الجهاديون» الأجانب طبعاً، تعابير استخدمها الإعلام الغربي لتوصيف من يأتي إلى سورية والعراق للقتال، لكن سورية بحكم الحشد الغربي ضدّها والاتفاق على تدمير دولتها، كان لها نصيب الأسد في آلات القتل عبر دول جوارها من الأردن إلى تركيا ولبنان، هذا الأخير الذي تمّت السيطرة على معابره بقوة المقاومة والنار.

«الحرب المقدّسة» شكّلت عنوان الحرب على سورية، ربما أفرزت «داعش» و»النصرة» وغيرها من الحركات السلفية الوهابية المرتبطة بالمشروع الأميركي في المنطقة، لكن الأمر لا يقف عند هذا الحدّ، فمن الواضح أنه في ضوء الإصرار على استنزاف سورية وتدريب المزيد من المأجورين لزجّهم في الحرب فيها، وفي ضوء حرب أوباما الجديدة على الإرهاب، فإنّ التطرف بات عابراً للطوائف، وعملية التعبئة والفرز في ضوء إفلاس الخيارات الأخرى لهزيمة الدولة في سورية برئيسها وجيشها، باتت هي الأخرى خياراً ترعاه واشنطن وحلفاؤها بقوة، وهو ما جعلنا اليوم نبدو في مواجهة مشهد لم يعد في الإمكان تجاهله، حتى الصحافة الفرنسية ممثلةً بصحيفة «لوفيغارو» اليمينية بدأت خلال الأسبوعين الأخيرين بالحديث عنه، مخصّصةً كلّ أسبوع لتقريرٍ عن طائفة معينة تلقى تعاطفاً دولياً من «متطوّعين» أجانب، حيث بات من الواضح أنّ «داعش» التي حدّدت حركة استراتيجية أوباما في المنطقة، نظمت حركة الكون حولها، وبات التطوّع إلى جانب «داعش» يقابله تطوّع من نوع آخر مضادّ لتنظيم يقاتل على مساحة سورية والعراق الكرة الأرضية مجتمعة ولا يزال يتمدّد وسط تغطية إعلامية لأخبار التنظيم وضعته في مصافي «الدول» الكبرى في ظلّ إصرارٍ غربي على نعت التنظيم «بالدولة الإسلامية».

الأسبوع الماضي نشرت الصحيفة الفرنسية تقريراً بعنوان: «متطوّعون لقتال داعش» خصّص للأكراد جاء فيه «متطوّع من كاليفورنيا والآخر من رود آيسلند، وآخر أتى من بيتسبرغ، بينما يوجد هنغاري، هؤلاء تطوّعوا في صفوف الميليشيا العسكرية الكردية السورية، وغالبيتهم من أصحاب الخبرات العسكرية»، هنا نلاحظ أنّ غالبية المتطوّعين من الولايات المتحدة ومن أصحاب التخصّص العسكري، كون المعركة هي معركة الخطوط الحمر الأميركية، دليلٌ آخر على شكل العلاقة بين حرب أوباما والبوابة الكردية.

أما هذا الأسبوع فقد نشرت تقريراً عما أسمته الظاهرة الجديدة عن «مسيحيين فرنسيين مروّعين من المجازر التي يرتكبها داعش بحق مسيحيّي الشرق» يريدون قتال الدولة الإسلامية في العراق وسورية، ولاحظ التقرير في افتراق واحد عن الذي سبقه عن الأكراد أنّ «المتطوّعين المسيحيين لا يملكون خبرة في حمل السلاح وصور بروفايلاتهم على مواقع التواصل لا تحمل أيّ مظاهر مسلّحة»، لكن دسّ السمّ في الدسم وفي الملف المسيحي تحديداً بات واضحاً أنّ الغرب يشجّع ويعمل على تهجير المسيحيين كان حاضراً فالمشهد وُصِف على أنه استعادة «للصليبية في مواجهة الدولة الإسلامية»، نوعٌ من الترويج «للتماثل» في الأوبئة التي تجتاح المنطقة التي تحوّلت إلى مرتعٍ «للحروب البربرية» التي تتميّز بها المعارك الوجودية، فالتوحّش يصبح سيّد الموقف والاستمرار في الحرب، وبالتالي فإنّ الحلّ يقوم على الفرز بين الأخيار والأشرار واستباحة المنطقة بحجة تطهيرها، لكن بعد استتباب تقسيمها وتكريس الأمر الواقع، فالملاحظ في الخط العام لعمليات التطويع العالمية للحرب على سورية يتمّ البدء بوضع أرضية للمبرّر الأخلاقي، ومن ثمّ يدعّم ما يحصل إعلامياً وخاصةً بالتركيز على المعاناة الإنسانية اليومية ومشاهد القتل والدمار الوحشي، هنا تدخل السياسة والمال على خط «نقل» المستلبين بخدعة الحروب المقدّسة والحروب من أجل الإنسانية، وأخيراً وفي ظلّ خروج بعض التنظيمات عن الإطار المألوف تبدأ عملية الشيطنة تمهيداً للتدخل المضادّ، عندها يحضر الأميركي ممثلاً برئيس جمهوري أو ديمقراطي لا يهمّ، هذا ما حصل مع «داعش»، وهذا ما حصل قبله في لبنان الذي مزّقته الحرب ورسّخت ما بقي منه بدستور طائفي تحت مسمّى «وثيقة وفاق وطني» يعدّ نتاجاً لحرب دولية إقليمية على أرض لبنان شهدت هي الأخرى حمّى متطوّعين وإنْ بقدر لا يقارن بسورية، وهنا تقول لوفيغارو: «في حرب لبنان كان هناك متطوّعون فرنسيون إلى جانب حزب الكتائب اليميني، وفي التسعينات وأثناء حرب البلقان كان هناك مقاتلون أوروبيون موالون لكرواتيا».

نحن أمام مشهدٍ يروّج لأرض المغامرات الطائفية والمذهبية والمناطقية، مرةً باسم «القاعدة» والحرب ضدّ الشيوعية، ومرةً باسم «الدولة الإسلامية» والحرب على الكون، واليوم تحضر كردستان الكونية والمسيحية الدولية لتدلي بدلوها على أرضي سورية والعراق، لكن في سياق تشكيل ميليشيات ترسّخ التفتيت ولا تعترف بالدول، تنكر كلّ ما هو وطني وقومي وحكومي لصالح الطائفة والفئوية وطبعاً واشنطن.

(البناء)