لم يعد خافياً وجود ضغوط داخلية وخارجية تمارسها أطراف عديدة على «جبهة النصرة» لتعلن انفصالها عن تنظيم «القاعدة» بزعامة أيمن الظواهري، وإجراء تغييرات على سلوكها تتيح إعادة تأهيلها، وبالتالي تصنيفها كفصيل «معتدل صالح»، لإعطائه راية إسقاط النظام السوري.

ويثير الكلام المتجدد حول هذا الموضوع تساؤلات عن إمكانية تنفيذه واحتمالات ذلك.

وهذه الضغوط ليست جديدة، وهي تُمارس على «جبهة النصرة» منذ البداية، وتحديداً منذ إعلان زعيمها أبي محمد الجولاني تجديد بيعته للظواهري، في نيسان العام 2013، رداً على قرار زعيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ـ «داعش» أبي بكر البغدادي آنذاك بإلغائها والدمج بينها وبين «دولة العراق الإسلامية»، وتأسيس ما أسماه «الدولة الإسلامية في العراق والشام».

ففي ذلك الحين أدانت كل الفصائل المسلحة في سوريا بيعة الجولاني للظواهري، بما فيها «حركة أحرار الشام» السلفية «الجهادية»، التي رأت في البيعة «خدمة للنظام السوري». ومع ذلك لم تؤد هذه الإدانة الجماعية إلى اتخاذ أي موقف عملي ضد «جبهة النصرة»، بل استمرت غالبية الفصائل بالتحالف معها عسكرياً، ومشاركتها معظم غرف عمليات قيادة المعارك.

وبعد ذلك ساهم التنافس والصراع مع «الدولة الإسلامية»، الذي شاركت فيه معظم الفصائل الكبيرة، في تغييب هذه الإدانات، والتعامل مع «جبهة النصرة» على أنها «فصيل ثوري». وشمل ذلك القيادات العسكرية، وحتى بعض القيادات السياسية للمعارضة، مثل «المجلس الوطني» الذي رفض على لسان رئيسه الأسبق جورج صبرا إقدام الولايات المتحدة على تصنيف «النصرة» على أنها منظمة إرهابية، بل إن بعض المعارضين من نخبة المثقفين لم يجدوا حرجاً في الاجتماع بقادة «النصرة» ومدح سلوكها وأدائها، وعلى رأس هؤلاء ميشيل كيلو والمخرج المسرحي همام الحوت، مع العلم أن هذه الشهادات خرجت في وقت كانت لا تزال فيه تُقاد من قبل قادة «الدولة الإسلامية»، حيث لم يكن الخلاف قد حصل بعد.

لكن المواقف انقلبت مرة أخرى، وبدأت العديد من القيادات العسكرية والسياسية للمعارضة تنتقد «جبهة النصرة» علناً، وتطالبها بفك ارتباطها مع تنظيم «القاعدة». وجاء هذا الانقلاب نتيجة عدة عوامل، أهمها صدور قرارات دولية باعتبار «النصرة» منظمة إرهابية، وهو ما لم يعد بمقدور أحد تجاوزه خصوصاً سياسياً، وكذلك التغير الجوهري الذي طرأ على سلوك الجبهة بعد هزيمتها في المنطقة الشرقية، وسعيها إلى إقامة «إمارة» خاصة بها في الشمال السوري، الأمر الذي تطلب منها الدخول في حروب ضد فصائل كبيرة ولها وزنها، مثل «جبهة ثوار سوريا» و»حركة حزم»، وهو ما أخاف باقي الفصائل وجعلها تتحسس رؤوسها من أن تكون أمام سيناريو جديد لـ «داعش» آخر. وهو ما عززه مسارعة «جبهة النصرة» إلى إنشاء «المحاكم» التي تطبق الشريعة الإسلامية، والبدء بتنفيذ حدود الرجم والجلد وقطع الأيدي في مناطق سيطرتها.

ويمكن القول إن الحملة الأخيرة ضد «جبهة النصرة» بدأت بشكل خفي منذ تسريب تسجيل صوتي لزعيمها الجولاني، في شهر رمضان الماضي، يتحدث فيه عن قرب إعلان «الإمارة الإسلامية في الشام»، لكنها خرجت إلى العلن إبان المعارك التي خاضتها ضد «جبهة ثوار سوريا»، لتبلغ ذروتها الأسبوع الماضي مع حرب الإبادة التي شنتها ضد «حركة حزم».

غير أن الجديد في هذه الحملة أنها ليست قاصرة على قادة الفصائل أو المجالس السياسية للمعارضة، بل تعدت هذه الأطراف الداخلية لتشارك فيها بشكل شبه علني جهات خارجية، عربية وغربية.

وكانت وكالة «آكي» الايطالية نسبت، في أيلول الماضي، إلى ديبلوماسي غربي وصفته بالرفيع المستوى تصريحات كشف من خلالها عن وجود قناة للتفاوض بين «جبهة النصرة» وبعض الدول الأوروبية، وأن هذه الدول أبدت استعدادها للتدخل من أجل رفع اسم «النصرة» عن قائمة الإرهاب مقابل تغيير إيديولوجيتها وممارساتها.

وقد اعتبر تسريب هذه التصريحات بمثابة تحذير أخير إلى «جبهة النصرة»، لا سيما أنها تضمنت تهديداً واضحاً بأن «جبهة النصرة ستدفع الثمن قريباً»، مشيراً إلى أن هذه «الفرصة قد لا تكون متاحة بعد شهر».

وترافقت هذه التصريحات غير المسبوقة مع ورود معلومات متواترة عن ضغوط تمارسها كل من قطر وتركيا على «جبهة النصرة» لدفعها إلى فك ارتباطها مع «القاعدة»، وتغيير سلوكها. ويأتي في السياق نفسه ما نشرته وكالة «رويترز» أمس حول وجود مساعٍ قطرية لدى «النصرة» لإقناعها بفك ارتباطها «القاعدي» وتكوين كيان جديد تدعمه بعض الدول الخليجية بهدف محاربة نظام الرئيس بشار الأسد.

وقالت مصادر من داخل الجبهة وأخرى مقربة منها، لوكالة «رويترز»، إن مسؤولين من أجهزة المخابرات من دول خليجية، بينها قطر، اجتمعوا مع الجولاني عدة مرات في الأشهر القليلة الماضية لتشجيعه على التخلي عن «القاعدة» ومناقشة الدعم الذي يمكن لهذه الأجهزة تقديمه. ووعد المسؤولون بالتمويل بمجرد تحقق الانفصال.

وأكد مصدر وثيق الصلة بوزارة الخارجية القطرية أن الدوحة «تريد أن تصبح النصرة قوة سورية خالصة، لا تربطها صلة بالقاعدة»، مضيفاً «وعدوا النصرة بمزيد من الدعم. أموال وإمدادات وخلافه، بمجرد أن تقطع صلاتها بالقاعدة».

وتشير المعطيات المتوافرة إلى أن مثل هذه المطالب القطرية والأوروبية لن تلقى آذاناً صاغية من قبل «جبهة النصرة»، ولو كان الثمن هو توقف الدعم والتمويل الذي تتلقاه من قطر وبعض الدول الخليجية، وإن بصفة غير رسمية، وزيادة الضغوط عليها، بما فيها تصعيد القصف على معاقلها من قبل طائرات التحالف الدولي. ويعود ذلك إلى عدة أسباب، منها: أن تخلي الجولاني عن بيعته للظواهري سينهي رصيد المصداقية المتبقي لديه، لأنه سبق وخلع بيعة زعيمه أبي بكر البغدادي الذي كان وراء قرار انتدابه لتشكيل «جبهة النصرة»، وهو ما اعترف به الجولاني، معتبراً أن «للبغدادي ديناً في أعناقنا»، لكنه سرعان ما انقلب عليه وأعطى البيعة إلى الظواهري، فإذا تخلى عن البيعة الأخيرة سيبدو بمظهر المتقلب. كما أن فك الارتباط عن «القاعدة»، حتى ولو كان بالاتفاق مع الظواهري الذي لم يكن متحمساً لإعلان الارتباط والبيعة ولام الجولاني على قيامه بذلك من دون تنسيق معه، سيؤدي إلى حالات انشقاق واسعة عن «جبهة النصرة»، خصوصاً من قبل كتلة المقاتلين الأجانب فيها، الذين لم ينتسبوا إليها إلا بسبب ارتباطها بتنظيم «القاعدة».

ومع ذلك تشير المعلومات إلى أن ثمة تياراً داخل «جبهة النصرة»، يقوده أبو ماريا القحطاني وبعض القيادات السورية، لا يمانعون في فك الارتباط مع «القاعدة»، بل يشجعون عليه، ويرون فيه خطوة من شأنها أن تنقذ الجبهة من حالة العزلة التي وصلت إليها جراء التطورات الأخيرة، سواء على صعيد الاقتتال مع الفصائل الأخرى، أو على صعيد الرفض الشعبي لها في أكثر من منطقة، وهو ما تمثل بخروج تظاهرات ضدها في جنوب دمشق وريف إدلب. ويستند هؤلاء في تدعيم وجهة نظرهم بالاستناد إلى تسريب محادثة جرت بين الظواهري وبعض قادة «القاعدة» المعنيين بالملف السوري، فحواها تلميح الظواهري إلى عدم ممانعته في انضمام «جبهة النصرة» إلى «أحرار الشام» أو «الجبهة الإسلامية».

غير أن التيار الآخر، الذي يقوده قادة «جبهة النصرة» من المهاجرين عموماً والأردنيين خصوصاً، وعلى رأسهم «الشرعي العام» سامي العريدي يرفضون هذا الأمر جملة وتفصيلاً. ويرون أن أي إعادة هيكلة، أو اتحاد بين الفصائل، لهذه الذريعة أو تلك، ينبغي أن تكون وفق «أسس راسخة»، وهي إشارة إلى أسس «السلفية الجهادية» التي يمثلها «القاعدة» برأيهم. ويبدو أن زعيم «النصرة» أبو محمد الجولاني يميل، حتى الآن، إلى التيار الثاني، فبالإضافة إلى توبيخه قادة «أحرار الشام» بسبب مراجعاتهم وتخليهم عن «السلفية الجهادية»، وذلك قبل مقتلهم بأيام فقط، فإن مجمل قراراته وممارساته، سواء لجهة حديثه عن «الإمارة» أو تأسيس «محاكم شرعية» أو علاقته مع الفصائل الأخرى، تؤكد أنه ما زال متمسكاً بالبيعة الثانية التي منحها لزعيمه الظواهري.

(السفير)