Get Adobe Flash player

 

ترسم السياسة الأميركية على الدوام في منطقتنا حدود حركة الحلفاء والأدوات في ما يتعلق بالاستراتيجية الأميركية في المنطقة، لكن ذلك لا يعني على الدوام أن تسير الرياح وفقاً لرغبات الإدارة الأميركية، وهذا ما حصل في ما يخصّ الملف السوري وفي عهد إدارة أوباما المنقسمة على ذاتها بشأن إدارة هذا الملف الحساس، فعامل الوقت الذي طال، وبقاء الدولة السورية متماسكة، ومفهوم «الحرب المقدسة» في سورية، واعتماد خطاب الاستقطاب المذهبي أساساً لقيادة الحرب على سورية، هذه العوامل مجتمعة أدّت إلى حصول افتراقات في مواقف حلفاء واشنطن من الملف السوري، جنحت في غالبيتها الإقليمية إلى العمل عن يمين سياسات أوباما والتحريض باتجاه زيادة التورّط الأميركي في الأزمة السورية، ومن الواضح هنا أنّ واشنطن حاولت العمل على جبهتي أنقرة والرياض لضبط إيقاع العمل في سورية، وفي موازاة فشلها مع حكومة «الإخوان» في أنقرة، لوحظ نجاحها في السعودية الذي تكرّسَ مع وصول الملك سلمان بن عبد العزيز إلى سدة الحكم وتغييره الجذري لمنظومة القرار الأمني في المملكة. ففي التاسع والعشرين من كانون الثاني الماضي نفّذَ الملك الجديد رغبة إدارة أوباما بإبعاد الأمير بندر بن سلطان نهائياً عن مؤسسة الحكم في المملكة، حيث تمَّ تجريده من واجباته الأمنية رئيساً لمجلس الأمن القومي السعودي ومبعوثاً خاصاً للملك السابق، وبالتالي قطع أيّ علاقة له بالملف السوري الذي كان في يده بشكل كامل قبل 15 نيسان 2014 وهو تاريخ إصدار الملك السابق عبدالله بن عبد العزيز مرسوماً بإعفاء بندر من منصبه رئيساً للاستخبارات السعودية، حينها كان الملف السوري بكليّته في يد الصديق المقرّب من المحافظين الجدد في واشنطن، وتمّ بموجبه وفي المرحلة الأولى تقديم الدعم المطلق غير المنضبط لكافة الميليشيات المسلّحة في سورية بغضّ النظر عن مدى انضباطها بسياسات واشنطن، وهو ما أدّى إلى انفلاش «النصرة» و«داعش» في سورية، حيث انتقل بندر إلى المرحلة الثانية في محاولته تشكيل «جيش الإسلام» في أوائل نيسان من عام 2014 بقيادة زهران علوش صنيعة المملكة محاولاً الطلب من الإدارة الأميركية تقديم كافة أشكال الدعم السياسي والعسكري لزعيم الميليشيا السلفي الذي رفض بدوره الاندماج في تشكيلات واشنطن العسكرية في سورية المنضوية تحت مُسمّى «الجيش الحر»، لكن الأمور تسارعت وتمّ عزله منتصف شهر نيسان الذي شهد صعود زهران علوش.

ما جرى مع بندر تمَّ بالتوازي مع تعويم محمد بن نايف باعتباره الشخص الأكثر أهمية بالنسبة إلى واشنطن في إدارة الملفات الأمنية المشتركة، وفي طليعتها الملف السوري، حيث فهم الأمير محمّد المخاوف الأميركية، وحاول احتواءها عبر العمل على استصدار قانون جديد لمكافحة الإرهاب في المملكة في كانون الثاني من عام 2014 استتبعه بقائمة للمنظمات الإرهابية في 3 شباط من العام ذاته لا تضمّ ميليشيا «جيش الإسلام»، كما نقل محمد بن نايف الدعم السعودي من الجانب السياسي ممثلاً بالائتلاف إلى التركيز على جبهة جنوب سورية التي تضمّ فلول المجموعات التي ارتبطت بواشنطن والغرب منذ بداية الأحداث في سورية في آذار 2011، ولذلك في سياق ما سبق يمكن فهم القوة التي يتمتع بها الأمير محمد بن نايف بين أحفاد عبد العزيز، التي أهّلته إلى الإمساك بالملف الأمني في السعودية بشكل كامل، فإضافةً إلى تعيينه ولياً لولي العهد، احتفظ بمنصبه وزيراً للداخلية، وحلَّ الملك سلمان مجلس الأمن القومي واستبدله بمجلس جديد للشؤون الأمنية والسياسية برئاسة محمد بن نايف نفسه.

يدرك ولي ولي العهد البالغ من العمر 55 عاماً حجم المخاطر التي تحيط بالمملكة جراء الأزمة السورية، سواء لجهة الفشل في إخضاع الدولة السورية، أو لجهة ملف عودة الإرهابيين السعوديين إلى المملكة، ولذلك يحاول تقديم نفسه باعتباره الشخص الأمثل القادر على إعادة توجيه سياسات المملكة في ما يخصّ ملف الإرهاب، وملف الحرب على سورية بما يضمن التطابق مع سياسة أوباما في سورية وصولاً إلى تصفير المشاكل، وعند هذه النقطة تقول إحدى الدراسات الصادرة عن مركز ويلسون للدراسات في الولايات المتحدة إنّ «الأمير محمد بن نايف الذي تمَّ الدفع به بشكل غير متوقع في خط ولاية عهد المملكة العربية السعودية، هو الشخصية السعودية المفضّلة في واشنطن. ويرجع هذا جزئياً إلى دوره الفعال في إنهاء الاستراتيجية السعودية لدعم الميلشيات الإسلامية المتطرفة حسب التعريف الأميركي للتطرف التي تقاتل للإطاحة بالرئيس بشار الأسد في سورية».

(البناء)