Get Adobe Flash player

 

ظلّ تربّع اليمن الصهيونيّ المتطرّف على سدة الحكم في «تل أبيب»، من منظار أوباما والأوروبيين، ثغرةً كبرى في جدار «الربيع العربي». فالخطوات الاستفزازية إزاء الأقصى، وبرنامج الاستيطان في الضفة الغربية، والشروط المذلة للتفاوض مع حلفاء أميركا العرب، حتى أكثرهم استسلاماً، كالسلطة الفلسطينية، وكل الخطاب اليمينيّ المتشدد، ظل يجفّل المواطن العربي ويعيده إلى حلبة الصراع مع الكيان، كلما انساق خلف «الربيع» المزعوم.

برنامج «الفوضى الخلاقة» الأميركي اقتضى حرف الصراع إلى الداخل، ما استلزم «تسكين» العلاقة مع الكيان، لا تأجيجها باستفزازات اليمين المتطرف… لذلك كتبتُ مطلع ذلك «الربيع»، في 16 حزيران 2011، تحت عنوان «سياسة الطاقة والصراع على قلب العالم»: «ربما يكون الكيان الصهيوني مقبلاً على تغييرات باتجاه عودة سياسيين صهاينة للحكم أكثر استعداداً للانخراط في عملية التسوية، بدلاً من عنجهية فريق ليبرمان ـ نتنياهو المتعالية التي باتت تشكل مشكلة حقيقية للسياسة الخارجية الأميركية».

مذّاك تفاقمت مشكلة الإدارة الأميركية مع اليمين الصهيوني وازدادت حاجتها إلى إلى إطاحة حكمه في الكيان، لكن الجمهور الصهيوني ازداد يمينيةً وتشدداً، فيما اقتضت الاستراتيجية الأميركية عربياً عودة حزب العمل وأمثاله إلى الحكم، فبذلت الإدارة الأميركية قصارى جهدها في انتخابات الكنيست عام 2013 لإطاحة اليمين الصهيوني، خاصة بعد أداء كتلة «كاديما» المتميز بقيادة تسيبي ليفني في انتخابات عام 2009 التي حصلت فيها على أغلبية نسبية، لم تمكنها من رئاسة الوزارة.

سارت رياح الكنيست عكس اتجاه سفن أوباما عام 2013، إذ تمكن تحالف نتنياهو ـ ليبرمان من احتلال المرتبة الأولى، فيما تراجعت ليفني، التي خاضت الانتخابات خارج «كاديما»، إلى المرتبة السابعة، وتمكن اليمين الصهيوني من تحقيق أغلبية غير مستقرة جزئياً بسبب تدخلات أوباما في لعبة الانتخابات الصهيونية، وكان من ذلك السعي إلى تجنيد الأصوات العربية في المعركة الانتخابية، حيث اندفعت شخصيات وقوى يسارية «إسرائيلية» بقوة لاستقطاب الصوت العربي قبيل انتخابات الكنيست التاسع عشر في 22 كانون الثاني 2013، ما دفعني للتعليق على «فيسبوك»: «أوباما يريد أن يرد على دعم نتنياهو لرومني في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة بإسقاط تحالفه الانتخابي والساسة العرب واليساريون «الإسرائيليون» أصبحوا هنا جنود الولايات المتحدة في معركة ليست في الواقع معركتنا، باعتبار أن الصوت العربي يمكن أن يذهب إلى ما يسمى «اليسار»، أكثر مما يمكن أن يذهب إلى اليمين الصهيوني، والمطلوب هو حرمان تحالف نتنياهو اليميني من الحصول على أغلبية برلمانية تمكنه من تشكيل الحكومة من جديد».

…ناهيك عن الموقف المبدئي الصرف طبعاً من المشاركة في انتخابات الكنيست بكونها تطبيعاً مع الكيان الصهيوني يجمّل وجه «ديموقراطية إسرائيل»، ويؤمن مسارب آمنة صهيونياً للحراك السياسي العربي الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 48، ويخلق فئة من نواب الخدمات العرب المرتبطين بالاحتلال يمثلون نوعاً من الكمبرادور السياسي: الجمهور العربي مقابل بعض الخدمات ووهم تغيير الكيان الصهيوني من الداخل عبر «النضال البرلماني».

أما وقد بات هناك من يصوّر نيل «حق» الترشح للكنيست «بطولة» وطنية، فلنلاحظ، عشية انتخابات الكنيست العشرين في 17 آذار 2015، البيان المهم لحركة «كفاح» في الأرض المحتلة عام 48 الذي يعدد أسماء جمعيات أميركية ويسارية «إسرائيلية» تضخ المال السياسي بكثافة لدفع العرب للمشاركة في الانتخابات «الإسرائيلية»، على أمل حرمان اليمين من الأغلبية البرلمانية! فمرة أخرى، نجد المشاركة العربية في انتخابات الكنيست تحقيقاً لكل مصلحة إلا المصلحة العربية، وفي هذه اللحظة السياسية نجدها تصويتاً لمصلحة الإدارة الأميركية، أي لمشروع التفكيك في الإقليم و«الربيع العربي».

المهم أن المشكلة بين نتنياهو وأوباما لا تقتصر على «المستعمرات» أو «تجميد الاستيطان» وما إلى ذلك، ولا هي مشكلة تضارب شخصيات، وكنت أشرت في «البناء» في 12 تشرين الثاني 2014 إلى أن النزوع الأوروبي إلى فرض عقوبات على مستعمرات الضفة وللاعتراف بـ«الدولة الفلسطينية» الوهمية المفتقدة للسيادة، و«عربدة» السلطة الفلسطينية دبلوماسياً، إن هي إلاّ خطوات محسوبة تهدف للضغط على حكومة نتنياهو وعلى الجمهور الصهيوني للتخلي عن اليمين، أي أنها خطوات تخدم الإدارة الأميركية ومشروعها في المنطقة العربية بمعنى أنها ليست مشروعاً لتحرير فلسطين مثلاً! .

المشكلة بين نتنياهو وأوباما هي نفسها المشكلة بين المحافظين الجدد وأوباما، وهي نفسها المشكلة بين حزب العمل الصهيوني ونتنياهو: استراتيجيتان مختلفتان لتحقيق هدف واحد تحت القوس الإمبريالي ـ الصهيوني المندمج عضوياً، لا بسبب النفوذ الصهيوني في الكونغرس الأميركي أو نفوذ أساطير «المحرقة» في الغرب فحسب، بل لأن ذلك النفوذ وتلك الأساطير ازدادا استشراءً اعتباراً من التسعينات، ما يعكس تحول نمط الإنتاج الرأسمالي إلى نمط مرابٍ مضارب معولم لا وطني، أي إلى نمط يهودي، بالمعنى الحرفي ليهودي الذي وصفه ماركس «في المسألة اليهودية»، ووصفه أنطون سعاده.

مشكلة أوباما ونتنياهو بدأت قبل خطاب أوباما في جامعة القاهرة عام 2009 عندما راح المحافظون الجدد والصهاينة القدامى يستشعرون أن الإدارة الأميركية بصدد إعادة إحياء تحالف الحرب الباردة مع «الإسلام المعتدل»، فقد بدأت تلك المشكلة عندما اعتبرت الإدارة الأميركية أن مركز الثقل في السياسة الخارجية الأميركية هو مواجهة روسيا والصين والدول المستقلة، لا «الحرب على الإرهاب»! مما قد يفسر تردد أوباما في حرب على «داعش» ربما يكون نتنياهو قد ساهم في صنعها…

مشكلة أوباما ونتنياهو تتعلق بالرؤية الاستراتيجية لاستخدام القوة الأميركية في العالم: القوة الناعمة أم القوة الخشنة أولاً، على نمط جورج بوش؟ الاتفاق النووي مع إيران مجرد عنوان فرعي لذلك الخلاف العام. الامتناع الأميركي عن ضرب سورية مباشرة عام 2013 والقبول باتفاق الكيماوي الذي أمرره لافروف عنوان فرعي آخر. وما لَعِبُ أوباما في ملعب نتنياهو الانتخابي، ولَعِبُ نتنياهو في الكونغرس الأميركي، على مقربة من البيت الأبيض، إلا شكلٌ آخر من أشكال ذلك الصراع.

(البناء)