في وقت تستمر مسارات الحرب المتعددة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ـ «داعش» في كل من العراق وسوريا، وسط تضارب في التقديرات حول نتائجها، والمدى الزمني الذي يمكن أن تستغرقه، كان لافتاً أن التنظيم التكفيري وجد ثغرات في الجدار الأممي الهادف إلى حصاره وقطع المدد عنه.

وتمكن التنظيم المتشدد، وبرغم قرع طبول الحرب عليه، أن يبرهن أن إعلان تمدده إلى بعض الدول العربية لم يكن من قبيل العبث، فها هي ليبيا تعيش تحت هاجس توسعه وسيطرته على بعض المدن فيها، بينما يشهد اليمن تغلغلاً واضحاً لعناصره في أكثر من منطقة.

فهل هذا النشاط المستجد في هاتين الدولتين دليل على استمرار قوته وعدم تأثره بالحرب المعلنة ضده، أم على العكس هو اعتراف بأن هزيمته في العراق وسوريا باتت وشيكة، لذلك راح يبحث عن ملاذ بديل عنهما؟.

ومما لا شك فيه أن الخسائر التي مني بها «الدولة الإسلامية» مؤخراً، لاسيما في محافظة الحسكة شرق سوريا، تؤكد الحقيقة التي ترقى إلى مستوى البديهيات في الموازين العسكرية، وهي أن بقاء «داعش» مسيطراً على الأراضي التي ينتشر فيها أمر مستحيل، ولا يمكن تصوره، في ظل استمرار الحرب البرية والجوية التي تشن عليه.

غير أن التعقيدات التي تشهدها الحرب، واختلاف مصالح وأهداف الأطراف المشاركة فيها، أدّت من جهة إلى ضعف فعاليتها، وعدم تحقيقها الأهداف المرجوة منها، ومن جهة ثانية إلى تعدد مساراتها وعدم التنسيق الكامل بين القائمين على كل مسار منها، وهذا ما بدا واضحاً في كل من العراق وسوريا، سواء لجهة عدم التنسيق بين الجيش السوري وبين التحالف الدولي الذي يقصر دعمه على «وحدات حماية الشعب» الكردية، وكذلك لجهة الاتهامات التي يطلقها قادة «الحشد الشعبي» في العراق ضد الولايات المتحدة، وشكوكهم تجاه الأجندة التي تسعى إلى تنفيذها في المنطقة تحت ستار محاربة الإرهاب، وما يقابلها من تحفظات لدى واشنطن على مدى الدور الذي يمكن أن تلعبه قوات الحشد في محاربة «داعش».

هذا التعدد في مسارات الحرب والتناقض الكامن في ما بينها لجهة الأساليب والأهداف والغايات البعيدة، خلقا ثغرات تمكن التنظيم التكفيري من استغلالها والعبور من خلالها إلى دول أخرى لم تُعلن الحرب ضده فيها بعد، مثل ليبيا واليمن. كما أنه ساهم في إضعاف آثار التداعيات التي كان يفترض أن تترتب على بعض الهزائم التي مني بها التنظيم مؤخراً، ولاسيما في ريفي حلب والحسكة، لأن السمة العامة لهذه الانجازات أنها تمت في مناطق يمكن أن تنشط فيها «وحدات حماية الشعب» الكردية، ليبقى السؤال، ماذا عن المناطق الأخرى، مثل محافظة الرقة أو دير الزور، لا سيما أن الشريك الأرضي للتحالف الدولي في هاتين المحافظتين غائب وغير موجود.

ومن المستبعد أن تتولى «وحدات حماية الشعب» هذه المهمة، وذلك لعدم قدرتها أولاً، ولعدم وجود مصلحة لها ثانياً، مع عدم إغفال أن موقع سوريا في إستراتيجية التحالف الدولي مختلف عن موقع العراق الذي يحتل مركز الأولوية. لذلك فإن إيجاد الشريك المناسب، وما يحتاجه من وقت، بالإضافة إلى تريث التحالف الدولي بخصوص الحرب البرية على «داعش» في سوريا، يرجحان أن الحرب لن تنتهي قبل سنوات عدّة، وهو ما يعني أن «الدولة الإسلامية» سيبقى موجوداً على المدى المنظور، برغم الهزائم التي تلحق به في مكان أو آخر.

لذلك، فإن النشاط المستجد لتنظيم «الدولة الإسلامية» في كل من ليبيا واليمن، وإن كان يأتي في سياق تطبيق ما أعلنه زعيمه أبو بكر البغدادي في تشرين الأول الماضي حول التمدد، وتأسيس «ولايات» تابعة له في عدد من الدول العربية، إلا أنه يستبطن من دون شك قلقاً خفياً لدى قيادة التنظيم من أن تؤدي الحرب ضده إلى تطويقه في سوريا والعراق ضمن مناطق متفرقة، الأمر الذي يجعل من التخلص منه مسألة وقت ليس أكثر، خاصة بعد تفعيل بعض الدول إجراءات من شأنها التضييق عليه، مالياً وعسكرياً وبشرياً.

من هنا جاءت الفوضى العارمة المنتشرة في ليبيا، وتلك التي تكتسح اليمن يوماً بعد يوم، بمثابة الهدية للتنظيم التكفيري، الذي سارع إلى استغلالها بما يناسب مصالحه وظروفه.

وإذا كانت حركته في اليمن ما تزال محدودة نوعاً ما، وتتسم في معظمها بالسرية والكتمان، لعدة اعتبارات منها النفوذ المعنوي الكبير الذي يتمتع به قادة الجناح اليمني لتنظيم «القاعدة»، وتأثيرهم الأدبي على أنصار السلفية «الجهادية»، الأمر الذي يجعل من الحصول على مبايعات كبيرة ومؤثرة أمراً صعباً، وكذلك لعدم وجود موارد في اليمن يمكن للتنظيم الاستفادة منها في استقطاب المقاتلين إلى جانبه.

إلا أن ذلك لم يمنع أن يبدأ نشاط «داعش» في اليمن بالخروج من إطار السرية والاتجاه إلى العلنية، كما حدث في مدينة لحج جنوب شرق صنعاء، التي شهدت ظهوراً مسلحاً لعناصر التنظيم، ترافق مع نشاط دعوي وتوزيع منشورات. وكل ذلك يأتي في ظل استمرار الحملة الإعلامية التي يشنها التنظيم على «قاعدة اليمن» وقادتها، بهدف العمل على إسقاط شرعيتهم وبالتالي التقليل من تأثيرهم، بما يتيح له فرصة لاستقطاب المزيد من الأنصار والمقاتلين، وبالتالي امتلاك القدرة على المنافسة والصراع على النفوذ.

أما في ليبيا، فإن الأمر مختلف تماماً، فهناك بيئة حاضنة يمكن للتنظيم الاعتماد عليها للانتشار والتوسع، وهناك إمكانات مادية وموارد نفطية من شأنها توفير احتياجاته المالية، كذلك هناك مستودعات الأسلحة، التي تقدر عدد قطع السلاح فيها بأكثر من 50 مليون قطعة، بالإضافة إلى ضعف فرع «القاعدة» في ليبيا وإمكانية منافسته من دون التعقيدات التي يفرضها الوضع اليمني. هذه العوامل منفردة ومجتمعة لعبت دوراً بارزاً في سرعة صعود «داعش» في ليبيا، وامتلاكه زمام المبادرة بالسيطرة على عدد من المدن فيها مثل درنة وسرت والنوفلية.

وكشف تقرير حديث أعدته اللجنة الأفريقية للمصالحة والسلم بشأن الوضع الليبي، أن العدد الإجمالي لمقاتلي التنظيم يبلغ حوالي خمسة آلاف، بينهم ألف مقاتل فقط من الجنسية الليبية، بينما يتبع الآخرون لجنسيات 10 دول أفريقية وأوروبية. وأشار إلى أن المقاتلين الأجانب يتدفقون يومياً، متوقعاً أن يصل حوالي 1500 مقاتل خلال الأيام المقبلة.

ولفت إلى أن «80 قيادياً، سواء من أمراء القاعدة أو داعش، يتواجدون حالياً على الأراضي الليبية، حيث يسعى التنظيم للسيطرة على الحقول النفطية»، مشيراً إلى أن «زعامة التنظيم في ليبيا يقودها حالياً أبو نبيل الأنباري، وفي درنة محمد عبد الله، وفي سرت علي القعقاع».

أما «المسالك التي يتسلل منها المقاتلون بهدف الانضمام للتنظيم، فهي عبر الحدود الليبية - التونسية، في حين يمر أصحاب الجنسيات العربية الأخرى عبر الحدود المصرية، والحدود مع النيجر بالنسبة للمرتزقة الأفارقة المرتبطين بالتنظيم الإرهابي»، بحسب التقرير.

وبرغم هذه الحقائق، كان مستغربا أن يعلن المتحدث باسم البنتاغون ستيف وارن، بحسب ما نقلته صحيفة «واشنطن بوست» أمس، أن مساعي «الدولة الإسلامية» في ليبيا «لا تزال في مراحلها الأولى»، وهو ما يذكر بإقرار الرئيس الأميركي باراك أوباما أن استخباراته أساءت تقدير قوة «داعش» في سوريا والعراق. فهل يتكرر نفس السيناريو في ليبيا واليمن؟

(السفير)