يقول سيغموند فرويد: " إلى الآن قادتْنا كلُّ الطرقاتِ إلى النور، بَدءًا من اليوم ستَقودنا نحو الظلمة".

 

لعل هذا هو الانطباع الأول عن كورونا. رغم الخوف والهواجس يبقى الأمل... والرجاء والدعاء الاحتياطي الذي يسكن دواخلنا ويشكل خط الدفاع الأول لذواتنا. كلٌّ منّا، يسبر في هذه العزلة ذاته ، ويعيد اكتشافها وترتيب أفكاره وأولوياته في هذه الحياة .

 لعلّنا أيضا في حجرة التأمل القسري هذه، نعيد إيماننا بالحياة... فتبدو لنا للوهلة الاولى اختصارا لمسار من مشقّة وابتلاء. لكننا محكومون بالأمل وجبولون على الايمان. فالله الذي فرض علينا البلاء ليمتحننا، قادر على أن يزيل كل منغّصاتنا ويأسنا وقلقنا برمشة عين، وإلا باطلًا سيكون إيماننا لو فكرنا بغير هذا.

يقيننا أن النور أمامنا والظلمة ستكون حتما وراءنا. والنور لن يستمر لو لم يستقر بداخلنا إيمان ويقين بالقدرة على طرد شبح الظلمة واليأس فورا، فمن المشاعر الكبيرة الصادقة تولد الأماني العظيمة.

سنصمد كما صمد أهلنا وقاوموا المغولي والتركي والفرنسي والاسرائيلي وكل غزاة العصور الحاضرة والغابرة.

يقول محمود درويش:

" لاتخف من أزيز الرصاص

التصق بالتراب لتنجو

سننجو... ونعلو على

جبل في الشمال..." 

أظن أن رمزية هذا النص الباذخ لدرويش تحيلنا إلى ما نحن عليه الآن من أمل.

من يدري لربما هذا الوباء سيغير ما في شخصياتنا ويقوّم ما لم تقومه الحياة. حتماً ستتغير حياتنا بعد هذه التجربة، وحتماً سنلتزم فضيلة التضامن والتكافل. المصائب الكبرى كما الحروب الكبرى وكما الفيروسات والأوبئة القاتلة، تغيّر في اعمق نظرتنا للحياة وتعيدنا الى أصل الكون، وفي أصله لا مكان للأحقاد. كان السوفييت يحاربون النازية والفاشية والآن روسيا ترسل المساعدات الى ايطاليا والمانيا مختومة برسم علم هذه الدول على شكل قلوب.... 

ستعلمنا تجربتنا الحالية مع "كورونا”، التخلي عن مظاهر الترف والبذخ

والابهة.

منذ بداية الأزمة، لم البس ملابسي خارج المنزل ، وها انا البسها فقط في البيت، محفوفة بقناعة تقول انه لكسرِ الروتين لابد للعزلة أن نُلبس العزلة ثوبَ الأناقة.  

تُعلّمنا الانعزال معنى البعد والوحدة والمعنى الحقيقي للشوق والتوق لوجه الأهل والخلاّن. هي تُعلّمنا أيضا معنى التلاقي، وقيمته أمام مرارة الهجر.

قرأت في كتب التاريخ عن الحجر العاطفي، عندما حبس المأمون جاريته عريب ليؤدبها وقد سألها بعد الحجر:

- كيف وجدت الهجر ياعريب؟

أجابته: لولا مرارة الهجر ماعرفت حلاوة الوصل، يا أمير المؤمنين.

العزلة ليست ضعفا وهروبا بل هي من سيلقننا درسا مفادُه ان تمشي حرا معافى تتنشق الهواء ملء الرئتين.

غداً، سنهرول باتجاه بعضنا فرحين بالنجاة، ونتعانق. تلامسُ كفوف الأحبة، بعضها نتشابك ونضحك عمّا مضى ، سيطل علينا فجر جديد فيه تقييم جديد وتنقية لسلوكنا وارواحنا. 

لسنا وحدنا في عزلة بهذه الدنيا.... الدنيا ايضا معزولة تنتظر حراكنا وضحكنا.... وهنا لابد من بعض التساؤل والظنون.

ظننت أن النظام العالمي الجديد وما تسببه من سقوط أنظمة هو الذي سيُفضي الى نهاية الكون، وإذ بوباء مجهول الهوية يتقدّم صوب هذه المهمة التدميرية. لا بد اذا من إعادة ترتيب الأولويات عبر الحدود. لعلّنا نحتاج اليوم أمانا صحيا أكثر من أي أمان آخر.

سقطت شبكة الأمان الاجتماعي بسبب الحروب والفرقة والفتن، لعلّ ثمة أملا بأن تعيد المصيبة الجماعية العالمية صياغة الأولويات الانسانية لوقف هذا الجشع الإنساني الذي يدمّر كل شيء.   

هل كنا نحتاج لوباء كي نعيد هيكلة عجلة الحياة : الأرهاب، الفقر، النزوح ؟

من يراجع التاريخ يعرف أن الأوبئة أسقطت أمبراطوريات وقتلت صحابة.

 ألم يقض سيدنا أبوعبيدة بن الجراح أحد أهم قادة الفتح الإسلامي نحبه في طاعون عمواس الشهير

لقد فضح هذا الوباء نزق الأنظمة العبثية التي تسيطر على عالمنا.

 أيعقل أن من عنده (ناسا) وعمل على تطوير الأنظمة الطبية من استبدال القلب وصولا لخلايا الدماغ، ومن توصّل الى أدق خلايا " النانو" في التكنولوجيا، غير قادر على إيجاد حبة دواء لجرثومة تسمى كورونا؟

فلنعتبر، لعلّنا نصحو.

عن موقع خمس نجوم