Get Adobe Flash player

بينما يتخبّط الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإعادة العظمة للولايات المتحدة تنفيذاً لشعاره الانتخابي استطاعت روسيا أن تثبّت أنها دولة عُظمى بامتياز. وهي ليست الوحيدة في العالم، فالصين شريكتها في ذلك، لكن أصبح من المشكوك في أمره أنّ الولايات المتحدة قد تبقى دولة عُظمى هذا إذا ما بقيت كدولة متحدة! فما أصاب الاتحاد السوفياتي قد يصيبها بشكل أسواء لأنها دولة تاريخها لا يمتدّ إلى أكثر من ثلاثة قرون بينما روسيا تاريخها أعرق منها على الأقلّ ببضعة قرون. كما أنّ التناقضات الداخلية السياسية والاقتصادية جعلت الولايات المتحدة أكثر هشاشة مما يعتقد معظم المراقبين فهي أصبحت في مرحلة التراجع. وقد شرحنا سابقاً لماذا الولايات المتحدة مهدّدة ليس بالأفول فقط بل بالزوال، على الأقلّ زوال شكلها الحالي. هدفنا في هذه المطالعة إبراز الدور المتصاعد لروسيا الذي يؤثّر بشكل مباشر في قلب موازين القوّة لصالح محور تقوده كل من روسيا والصين ومعهما الجمهورية الإسلامية في إيران ومحور المقاومة بشكل عام. يُضاف إلى ذلك المحور دول أميركا اللاتينية التي تصارع الهيمنة والبلطجة الأميركية ككوبا وفنزويلا ونيكارغوا في المرحلة الحالية وإلى حد ما المكسيك، وربما في المستقبل القريب كل من الأرجنتين والبرازيل وبوليفيا.

 

العزلة المتزايدة الأميركية يقابلها حضور دبلوماسي وسياسي روسي نافذ وحاسم في معظم الملفّات الساخنة. وأهمية هذا الحضور أنه جاء بعد تفكيك الاتحاد السوفياتي وبعد غزوة الاوليغارشية الروسية على مرافق الاقتصاد الروسي في حقبة بوريس يلتسين وبتشجيع أميركي واضح. غير أن روسيا استطاعت بقيادة فلاديمير بوتين استعادة مكانتها السياسية في العالم في فترة قصيرة نسبياً ما يدلّ على ضخامة الجهود التي بُذلت من قبل القيادة الروسية الجديدة بعد حقبة بوريس يلتسين. ففي آسيا، هي الشريكة الأولى للصين وصاحبة مشروع متكامل مع المشروع الصيني المعروف بالحزام والطريق الواحد. والمشروع الروسي هو مشروع الكتلة الاوراسية التي تمتد شرقاً من بحر الصين إلى الغرب في بحر المتوسط، كما أنها قد تصل إلى المحيط الأطلسي الشمالي والجنوبي فيما استطاعت التفاهم مع الاتحاد الأوروبي وإذا ما استطاعت التفاهم مع دول المغرب العربي الكبير.

أما على الصعيد العسكري فلم يخش الرئيس الروسي في خطاب موجّه للأمة في شهر آذار/مارس 2018 الكشف عن التطوّر النوعي الفائق في الإنتاج العسكري والكاسر للتوازن وذلك عبر عرض السلاح الجوّي الجديد من طائرات وصواريخ فائقة السرعة والتخفّي وعن أسلحة أخرى حيث تحتاج الولايات المتحدة على الأقل عشر سنوات للوصول إلى المستوى نفسه. وإذا ما اخذنا بعين الاعتبار تعليقات الخبراء في السلاح الروسي فإن الاسطول البحري الأميركي أصبح بمثابة خردة عائمة في البحار، حيث لا تستطيع وسائل الدفاع الأميركية رصد وردع الصواريخ الفائقة السرعة والمتخفية. المهم هنا أن السلاح الروسي الجديد المتفوّق نوعياً وقليل الكلفة في آن واحد يشكل مصدراً تنافسياً جاداً للولايات المتحدة في التسويق التسليحي ويدعم الدبلوماسية الروسية في الملفّات كما شهدنا في معالجتها للمعضلة التركية في المسرح السوري.

في الأيام الأخيرة أقدمت روسيا على قلب الطاولة على كل من الولايات المتحدة وبلاد الحرمين في موضوع النفط. وقرار روسيا بعدم الالتزام بقرارات منظّمة الاوبيك ورفض الابتزاز من قبل حكومة الرياض حول تثبيت استقرار سعر برميل النفط عبر تخفيض الإنتاج له دلالات في ظرف اقتصادي عالمي صعب وفي ظرف اضطراب كبير في الجزيرة العربية، خاصة في أعقاب الحرب الكونية على سورية التي تخرج سورية منها منتصرة وفي أعقاب العدوان العبثي التي تقوده بلاد الحرمين على اليمن حيث تخرج منها مهزومة ومجروحة وصاغرة وفي ظل صراع داخلي على العرش.

 

لم يأت القرار الروسي من الفراغ. فالقيادة الروسية مقتنعة أن الولايات المتحدة ليست في مزاج الوصول إلى تسوية أو حتى تفاهم على الملفّات الكبرى وأن حزب الحرب المسيطر في الولايات المتحدة يريد المواجهة وربما الحرب المفتوحة وإن لم تكن الجهوزية لها متوفرة. قرار روسيا جاء لتسديد ضربة موجعة جدّا للغرب بشكل عام وللولايات المتحدة بشكل خاص بعد أن عرقلت الأخيرة المشروع الغازي الروسي نورستريم 2 الذي هدفه تزويد أوروبا الغربية بالغاز. وكعب أخيل الأميركي هو قطاع النفط والأسواق المالية المثقلة بالديون. فعبر استهداف قطاع النفط الصخري الأميركي الذي له الدور الأكبر في زيادة الإنتاج النفطي الأميركي تقول روسيا لأميركا إنك في موقع ضعف ولا تستطيعين تحمّل نتائج استمرارك في محاربتنا. التدهور في أسعار النفط جاء في أعقاب التراجع الكبير في البورصات الأميركية المثقلة بالديون والعالميّة بسبب تداعيات فيروس الكورونا الذي ضرب الصين وأدّى إلى تباطؤ نموّها هذه السنة. وتبعات التباطؤ الصيني انعكست في تباطؤ اقتصادات العالم بسبب التأثير الكبير للاقتصاد الصيني على العالم واتّكال العالم على شبكات العرض الصناعيّة التي تملكها الصين والتي يحتاجها العالم وفي مقدّمته الولايات المتحدة. فالضعف في الأسواق المالية بسبب الكورونا كشف الضعف البنيويّ فيها بسبب الديون التي تفوق طاقة التسديد والاتّكالية في الإنتاج على دول خارج الغرب بشكل عام وخاصة الولايات المتحدة. فلا تستطيع الأسواق المالية أن تستمّر في النمو بعيدة عن نمو الاقتصاد الفعلي كما لا تستطيع الأسواق الاستمرار في معدلات النمو أضعاف المعدلات في الاقتصاد الفعلي.

تحاول الولايات المتحدة المكابرة والتنكّر للضربة الموجعة الموجّهة لها. فالرئيس الأميركي أمر إدارته بشراء كمّيات كبيرة من النفط من الشركات الأميركية المتضرّرة من الانهيار في أسعار برميل النفط وذلك لتغذية الاحتياط الاستراتيجي للنفط. كما أمر أن يكون سعر الشراء «جيّدا» دون أن يحدّد ما هو «جيد». هذا حلّ موقت وفي أحسن الأحوال يستنزف الخزينة الأميركية لأن الموضوع هو في مئات مليارات الدولار. فإذا أحد أصدقاء الرئيس الأميركي من رجال النفط خسر في يوم واحد فقط ما يقارب مليارين من الدولارات، فيمكن أن يتصوّر المرء مدى الخسارة لمجمل القطاع النفطي الأميركي وخاصة عند الشركات النفط الكبرى كشركة اكسون وكالتكس وسونوكو على سبيل المثال.

في هذه المواجهة الجديدة التي فرضتها روسيا على الولايات المتحدة احتمالات الانتصار الروسي أكثر من احتمالات الصمود الأميركي أو نظام بلاد الحرمين. أولا، فإن كلفة الإنتاج لبرميل النفط الروسي منخفضة وتنافس كلفة الإنتاج في الخليج وبلاد الحرمين بينما الكلفة مرتفعة جدّا للنفط الصخري في الولايات المتحدة. فمعظم الدراسات والتقارير تفيد أن تغطية تلك الكلفة في الولايات المتحدة تستدعي سعراً لبرميل النفط بحدود الثمانين دولاراً بينما السعر المتداول هذه الأيام هو بحدود 45 دولاراً مع احتمالات جدّية للهبوط حتى منتصف العشرينيات. هذا ما ضرب مصداقية والجدوى الاقتصادية لذلك الاقتصاد النفطي الذي تمّ تمويله بالديون ولكن على قاعدة معلومات ملفّقة وغير دقيقة. فإضافة إلى كلفة إنتاج تفوق الأسعار في السوق هناك دفق مالي سلبي (negative cashflow) حيث الواردات أقل من الكلفة. كما أن الطاقة المستثمرة لاستخراج النفط الصخري أكبر من الطاقة المستخرجة ناهيك عن التهديد الواضح والصريح للبيئة.

ثانياً، ليست للشركات الروسية المنتجة للنفط ديون خارجية وبالدولار بينما الشركات الأميركية التي تستخرج النفط الصخري مثقلة بالديون. ثالثاً، تبيع روسيا معظم نفطها بالروبل وبالعملات الوطنية للدول التي تشتري نفطها وبالتالي هي خارج الابتزاز الأميركي في ما يتعلّق بالدولار. والتسهيلات للدفع بالعملات الوطنية تساعد على تسويق النفط الروسي. رابعاً، برهنت روسيا أن التقلّبات في سعر صرف الروبل لن يؤثّر في موازنتها العامة، حيث استطاعت التكيّف مع التقلّبات. وبما أن الديون شبه معدومة عند الروس فالقدرة على قولا «لا» تصبح كبيرة بينما الحالة مختلفة جدّا عند منافسيها العرب والأميركيين. فحرّية التحرّك الروسي تُوظّف لمصلحة الاستراتيجية الروسية المتوسطة والطويلة المدى.

خامسا، استهداف القطاع النفطي الأميركي لم يكن ليحصل لولا الانكشاف القائم في الأسواق المالية. فقوّة الولايات المتحدة كانت في السيطرة على شرايين المال وشبكات التمويل والأسواق المالية بشكل عام. وبما أن تلك الأسواق شهدت انخفاضات حادة بسبب انتشار وباء الكورونا وكشف عدم جهوزية الولايات المتحدة والدول الأوروبية على مواجهة ذلك الوباء فباتت المنظومة المالية القائمة على سياسات نيوليبرالية مهدّدة. انخفاض سعر برميل النفط ينعكس على أسعار شركات النفط الكبيرة في الولايات المتحدة ما يجعلها تتحرّك للضغط على الإدارة الأميركية لتغيير سياستها باتجاه يرضي في آخر المطاف الحاجات الروسية. حتى الساعة لم ترضخ الإدارة لتلك المستجدّات وما زالت تعتقد أن بمقدورها تجاوز الأزمة. فقرار الرئيس الأميركي بشراء كمّيات كبيرة من النفط من الشركات الأميركية لتغذية الاحتياط الاستراتيجي قد يكون بمثابة حبّة بنادول بينما المطلوب جراحة عميقة في الجسم المالي.

ويتساءل البعض لماذا أدّى تفشّي وباء فيروس الكورونا إلى انخفاض حادّ في الأسواق المالية خاصة أن الإعلام الغربي بشكل عام والأميركي بشكل خاص ركّز على أن مصدره هو الصين بغض النظر عن الملابسات حوله والتي كشفتها الحكومة الصينية في تحميل المسؤولية إلى الولايات المتحدة. فتفشّي الوباء أدّى إلى شلّ الحركة الصناعية في الصين التي أصبحت المورد الأول في العالم للمواد الصناعية. فأي انخفاض في الإنتاج الصيني يعني تباطؤا في الحركة الاقتصادية في العالم. والأسواق المالية تعكس إلى حد كبير التوقّعات الاقتصادية ليس إلاّ لغرض المراهنة على المستقبل في المضاربات التي تشّكل العمود الفقري لعملها. فالاقتصاد والاقتراض المنفصم عن الاقتصاد الفعلي لا يستطيع أن يذهب بعيداً ومنفرداً عن الاقتصاد الفعلي وبالتالي تحوّل المناخ التفاؤلي في الأسواق المالية إلى مزاج تشاؤمي كبير ساهم في تعميقه سوء الإدارة الأميركية والشركات الكبرى في تقدير الموقف عبر الاستهتار والإنكار لخطورة تفشّي وباء الكورونا.

أخر الأخبار تفيد أن الإجراءات للاحتياط الاتحادي الذي يعمل بمثابة المصرف المركزي في تخفيض الفائدة إلى الصفر وضخ ما يوازي 700 مليار دولار لم تؤدّ إلى عودة التفاؤل إلى الأسواق المالية التي ما زالت تعاني من تقلّبات ضخمة وفي اتجاه انخفاض كبير. فعلى ما يبدو لم يرتَح السوق إلى الإجراءات المتخذة على صعيد مكافحة وباء فيروس الكورونا وتصحيح الاتجاه في الأسواق المالية.

لذلك الأزمة في الأسواق المالية مرشّحة للاستمرار بل حتى إلى التفاقم. هذا يعني ليس أفول حقبة البترودولار بل ربما سقوط النظام المالي الدولي. هذا ما تسعى إليه كل من روسيا والصين، حيث هيمنة الدولار لم تعد مبرّرة وحتى مقبولة. فالصفقات الكبيرة في النفط بين روسيا والصين والتعامل في عدد متزايد بالعملات الوطنية ينذر بأفول دور الدولار في العالم. كم لا نستبعد إعادة النظر في تسعير السلع الأساسية بالدولار. فالقهوة والقمح مثلا إضافة إلى البترول والغاز مسعّرة بالدولار. وهذا قد يتغيّر ما يعني أن الطلب على الدولار سينخفض بشكل ملموس ويعني نهاية نظام البترودولار. فهل يمكن أن نقول إن روسيا قامت بحركة في الشطرنج الدولي أدّى إلى كشّ ملك ثم إلى ملك مات؟ هذا ما ستكشفه الأسابيع المقبلة!

(البناء)