Get Adobe Flash player

 

أحبطت السلطات الفنزويلية محاولة انقلاب دبّرتها مجموعات من المعارضة الأرجح أنها تحظى بدعم من المخابرات الأميركية. وهذه المحاولة تشبه محاولة سابقة أحبطها الرئيس الفنزويلي الرحل هوغو تشافيز في فترة سابقة.

الغرب لا يزال يفكّر بعقلية السبعينيات، عندما نجحت المخابرات الأميركية في إطاحة حكومة الليندي المنتخبة في تشيلي عبر تحريك المعارضة اليمينية، وبعد قيام بعض وحدات من الجيش المرتبطة بالمخابرات الأميركية بالاستيلاء بالقوة على السلطة.

تحاول الولايات المتحدة تكرار سيناريو جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق التي أطلقت عليها «الثورات الملونة» وكانت أصابع الـ»سي أي آي» واضحة في هذه الثورات.

لكن الوضع في فنزويلا، وفي عموم أميركا اللاتينية يختلف عن الوضع في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، أو أيّ مكان آخر في العالم. دول أميركا اللاتينية عانت كثيراً جراء الديكتاتوريات الدموية المدعومة من الولايات المتحدة والحكومات الغربية، وشعوب أميركا اللاتينية التي تتوق إلى الحرية، وتتطلع إلى الاستقلال الناجز، وتحرير ثرواتها وقرارها الوطني، تدرك أنّ الخطر عليها يأتي من الديكتاتوريات والجماعات السياسية المرتبطة بالغرب وليس من أيّ جهة أخرى. وإذا كانت هناك شرائح من المجتمعات في الدول السوفياتية سابقاً أو في أوروبا الشرقية تصدّق الادّعاءات الغربية حول الحرية وحقوق الإنسان، فإنّ هذه الادّعاءات لا يمكنها أن تنطلي على شعوب أميركا اللاتينية التي خبرت عن كثب ولعقود طويلة السياسات الغربية، ولا سيما السياسة الأميركية، ولهذا فإنّ من يساند الخطط الغربية في فنزويلا هم الجماعات اليمينية وشرائح المجتمع المرتبطة اقتصادياً بهذه الجماعات، وهؤلاء يشكلون أقلية في المجتمع الفنزويلي، ولهذا أيضاً كان ردّ الرئيس شافيز وبعده الرئيس مادورو على محاولات الانقلاب اللجوء إلى الشعب وسحق هذه المحاولات من خلال الدعم الشعبي.

وإذا كان عمر حكم الليندي في تشيلي لم يدم أكثر من سنتين، فإنّ عمر النظام الشعبي في فنزويلا أكثر من 15 عاماً، بل إنّ الأنظمة الشعبية المماثلة لنظام فنزويلا غزت أرجاء القارة الأميركية الجنوبية، ولم تبق خارج السرب سوى كولومبيا التي تحافظ على نظام الأقلية المرتبطة بالغرب.

بديهي في ظلّ هذا الوضع العام في أميركا اللاتينية، فإنّ مستقبل الانقلابات التي تديرها الـ»سي أي آي» بالتعاون مع مجموعات يمينية في هذا البلد أو ذاك قد ولّى، على الأقلّ هذا العصر ليس عصر هذه الانقلابات، ولعلّ ذلك هو الذي يفسّر تبدّد كلّ محاولات الانقلاب التي شهدتها فنزويلا على امتداد فترة حكم شافيز ومادورو، كما أنّ القوى اليمينية حاولت القيام بانقلاب في بوليفيا على غرار الانقلابات التي رعتها وترعاها المخابرات الأميركية، وكان مصيره مماثلاً لمصير محاولات الانقلاب في فنزويلا.

حكم الشعوب في أميركا اللاتينية هو حقيقة في هذه المرحلة، ومن لا يسلّم بهذه الحقيقة يحرث في البحر، والغرب معنيّ بمراجعة سياساته على هذا الصعيد واعتماد الواقعية السياسية لأنّ في ذلك مصلحة مشتركة، ولكن سياسة الرهان على المجموعات اليمينية التي تمثل أقلية في كلّ المجتمعات هي سياسة مضى عليها الزمن وأقصى ما تحققه على المستوى العالمي أن تعيد إنتاج التجربة الأوكرانية بما ترتب عليها من تقسيم لأوكرانيا ومآسيها التي بدأت ولا يعرف متى تنتهي.

(البناء)