Get Adobe Flash player

 

برّر الرئيس الأميركي باراك أوباما عودته إلى العراق وإرسال قواته إلى المنطقة بالدفاع عن الأقليات وحمايتهم من «الإبادة» وفق تعبيره، الأيزيديون والأكراد كانوا في طليعة مشاعل النور الأميركية للحرب على «داعش»، تمّ رسم حدود تمدّد التنظيم المسخ في العراق وسورية، افعل ما شئت لكن لا تقترب من أربيل.

في سورية حضرت إشكالية عين العرب، لتوضع في ميزان المقارنة مع أربيل، فما كان من طائرات تحالف أوباما سوى أن دخلت على خط الأزمة السورية ومن البوابة الكردية وبدأت بقصف تجمّعات «داعش» في مدينة عين العرب، وبدأ الضخ الإعلامي لعنونة حرب أوباما في سورية بـ«كوباني غراد»، أمرٌ ما كان له ليتمّ لولا الانعطافة في مسار حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي تشكل ما تسمّى «وحدات حماية الشعب الكردي» ذراعه العسكرية، وبدأ تكريس التعاون مع الأميركي وزيارات الوفود الغربية للاطلاع على أحوال «كردستان سورية»، وسارت الحرب على مسارين متوازيين: الدفاع البطولي عن «عين العرب» والانتصار فيها، وفتح المواجهة مع الجيش السوري في نقاط تمركزه القليلة في شمال شرق البلاد تمهيداً لفرض النفوذ العسكري والسياسي الكردي على المنطقة التي أصبحت «كردية» بالمطلق أو تحت الحماية الكردية، كما يتمّ التسويق في الإعلام الغربي اليوم لما يجري في 38 قرية آشورية في الريف الجنوبي الغربي لمحافظة الحسكة، أو قرى نهر الخابور السريانية التي وجدت نفسها في خضمّ هجوم لـ»داعش» جاء تعويضاً «لخسارتها في كوباني» وفي منطقة واقعة تحت سيطرة ما يسمّى «وحدات حماية الشعب الكردي»، ما أدّى إلى اختطاف عشرات المسيحيين السوريين حسب إجماع كافة الصحف ووكالات الأنباء الغربية، فهل هذا ما أريد للقرى الآشورية؟

توقيت هجوم «داعش» والربط الإعلامي الغربي لما جرى في القرى الآشورية السورية على أنه ردّ فعل على خسارة التنظيم في عين العرب، والحديث عن تعزيزات عسكرية لوحدات الحماية وما يُسمّى «المجلس العسكري السرياني» مجهول الهوية والنسب، بهدف استعادة القرى وصدّ هجوم «داعش» يثير جملةً من التساؤلات أهمّها: هل ما جرى مع الأكراد مختلف عما جرى مع السريان، أليسوا أقلية وفقاً للمفهوم الاستعماري والأميركي؟ أين طائرات تحالف أوباما؟ لماذا غابت عن هجوم مكشوف على قرى فيها عزّل لا يحملون السلاح؟ هل الهجوم على قرى الخابور وتهجير سكانها وطمس معالم بعض القرى، تمهيدٌ لشطب السكان الأصليين لسورية عن الخريطة؟ ألا يشير الموقف الأميركي إلى تواطؤ غير مسبوق في ملف تهجير المسيحيين السوريين من أرضهم؟ ألا يطرح التركيز الإعلامي الغربي على مسؤولية وحدات الحماية عن المنطقة سيناريو التحضير الحثيث لرسم حدود كردستان سورية عبر استهداف المكوّن الأضعف غير المسلّح في الجزيرة السورية؟ ألا يؤكد هذا الأمر مئات الروايات التي تحدّثت عن وضع مسيحيّي الجزيرة السورية بين فكي كماشة التطرف الإسلامي الوهابي والمشروع القومي الكردي؟

منذ يومين فقط بدأت تركيا بناء ضريحٍ بديل للمقبور سليمان شاه تحت أنظار وحدات حماية الشعب الكردي، واليوم هجّر المسيحيون وأسروا تحت أنظار وحدات الحماية وفي منطقة عملياتها ونفوذها، ألا يعكس هذا التزامن شيئاً ما، دوراً ما لوحدات الحماية؟ هل نحن أمام وحدات حماية للشعب الكردي فقط، وللأراضي الكردية فقط تستوجب مراقبة تمدّد «داعش» الذي يقوم بمهمة حرق أقدم كنائس العالم وطمس معالم قرى السكان الأصليين تمهيداً لاستعادتها بعد إنجاز المهمة؟ هل يُراد لمسيحيّي الجزيرة السورية مصير إخوانهم في سهل نينوى في العراق، حيث باتوا مهجّرين في أربيل تحت الحماية الكردية، رعايا من الدرجة الثانية؟

مع الانتهاء من كتابة المقال لا يزال إرهابيّو تنظيم «داعش» يواصلون هجماتهم على الريف الغربي لمدينة الحسكة، الواقعة في الشمال الشرقي للبلاد، ويتقدّم عناصر التنظيم الذين أطبقوا الحصار على مدينة الحسكة عبر محاور ثلاثة: الشرق والغرب والجنوب. وكان إرهابيّو التنظيم أحرقوا خلال اليومين الفائتين كنائس، ما أدّى إلى إخلاء 38 قرية آشورية من مدنييها الذين هربوا باتجاه وسط مدينة الحسكة والقامشلي شمالاً، على خلفية خطف 56 شخصاً من أهالي قريتي تل شميرام وتل هرمز.

(البناء)