قام وفد فرنسي يضمّ نواباً ومسؤولين في جمعيات إغاثية بزيارة إلى سورية. ووصفت وسائل الإعلام العربية والأجنبية الزيارة بأنها الأولى بعد قطع باريس العلاقات الدبلوماسية رسمياً مع دمشق وسحب سفيرها، وعيّنت «سفيراً» للمعارضة في باريس.

الخارجية الفرنسية نأت بنفسها عن الزيارة وقالت إنها زيارة شخصية، فهل فعلاً الزيارة هي زيارة شخصية؟

حسب ما تسرّب من معلومات فإنّ المسؤولين الفرنسيين اشترطوا على الوفد الزائر أن لا يلتقي إلا نظرائه في سورية، كما اشترطوا أن لا يكون هناك مواكبة إعلامية لهذه الزيارة، ولا سيما الإدلاء بتصريحات من قبل المشاركين بالوفد. كما تسرّبت معلومات عن اعتراض على مشاركة رئيس الاستخبارات الفرنسية الخارجية السابق في الوفد، وكلّ هذه الاشتراطات تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنّ الزيارة كانت منسّقة مع المسؤولين الفرنسيين على جميع المستويات، وهي ليست مبادرة شخصية، وقد اعترفت بعض وسائل الإعلام الفرنسية ضمناً صحيفة لوموند بالأسباب الفعلية التي أدّت إلى هذه الزيارة، ومن بين هذه الأسباب تعاظم خطر تنظيم «داعش» واستهدافه للبلدان الغربية، ولا سيما بعد أحداث «شارلي إبيدو»، كما أشارت إلى عدم وجود إجماع فرنسي بالأساس على مقاطعة الدولة السورية. وهذه المبرّرات تؤكد أنّ ثمة مساراً جديداً في السياسة الفرنسية، يختلف عن المسار السابق، مسار يشير إلى أنّ فرنسا الاشتراكية التي كانت العضو الأكثر تطرفاً في التحالف المعادي للدولة السورية، بدأت الآن مسيرة التكيّف، أولاً لتكون متناغمة مع غالبية المواقف الغربية، ولا سيما الأميركية وبعض الدول الأوروبية مثل إيطاليا وإسبانيا والسويد، وعدم المزايدة على هذه الدول كما حدث في خريف عام 2013 عندما انتقد المسؤولون الفرنسيون بقوة تراجع الولايات المتحدة عن شنّ اعتداء عسكري على سورية بذريعة استخدامها للأسلحة الكيماوية، ولتكون ثانياً في طليعة الدول المستعدّة للتعاون والتنسيق مع سورية، ولا سيما استخباراتياً لمكافحة التنظيمات الإرهابية التي تستهدف فرنسا بقوة لا توازيها فيها أيّ دولة غربية في ضوء الهجمات التي وقعت حتى الآن. ومعروف أنّ الحكومة السورية كانت تشترط أيّ تعاون أمني بعودة الاتصالات والعلاقات الديبلوماسية تمهيداً للتراجع عن المواقف العدائية والتدخل في الشؤون الداخلية السورية والنيابة عن الشعب السوري في تقرير من يكون في سدّة المسؤولية، وهو الموقف الذي كان يميّز فرنسا عن غيرها، في دول الاتحاد الأوروبي.

أنكر المسؤولون الفرنسيون أم اعترفوا بدلالات زيارة الوفد الفرنسي، فهي تعبّر بدون جدال عن مسار جديد في العلاقات السورية الفرنسية، مسار ستكون نهايته عودة العلاقات بين البلدين إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الأزمة في عام 2011، وبداية الطريق تبدأ بخطوة.

(البناء)