نأت الخارجية الفرنسية بنفسها عن زيارة الوفد البرلماني الفرنسي إلى سورية، وقال المتحدث باسم الخارجية الفرنسية: «البرلمانيون الفرنسيون المعنيون لا يحملون أي رسالة رسمية»، موقف أكده عضو الوفد البرلماني الفرنسي عن حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية ونائب رئيس جمعية الصداقة السورية ـ الفرنسية جاك ميار، فور وصوله إلى بيروت، بقوله «إنها مهمة شخصية لنرى ما الذي يحصل، ونعاين عن قرب ونستمع من أجل الحصول على معلومات».

الوفد الفرنسي يضمّ إلى جانب ميار كلاً من النائب جيرار بابت عن الحزب الاشتراكي الحاكم، والسيناتور جان بيير فيال عن حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية، إلى جانب السيناتور عن تحالف يمين الوسط فرانسوا زوشيتو، وفدٌ إنْ استثنينا منه الجبهة الوطنية المعروفة بمواقفها من سورية، فإنه يضمّ ممثلين عن النخبة السياسية الفرنسية الحاكمة ممثلةً ببرلمانيين وأعضاء من مجلس الشيوخ، وهو أمر له دلالات تتجاوز بيان الخارجية الفرنسية وتصريح ميار نفسه والذي يغمز من قناة ضرورة التواصل عن قرب مع الدولة السورية من أجل الحصول على معلومات، أيّ بمعنى آخر يمهّد للتقارب مع السوريين عبر معاينة الواقع على الأرض ونقل الصورة في سورية كما هي إلى الجمعية الوطنية الفرنسية.

«المهمة شخصية» لكن تركيبة الوفد والتدخل المباشر في جدول أعمال الزيارة وفقاً لما ورد في مقال الزميل محمد بلوط في صحيفة «السفير» اللبنانية يدلّ على عكس ذلك، فقد مُنع أحد القادة السابقون في جهاز الاستخبارات الفرنسية الخارجية من الالتحاق بالوفد، ايّ أنّ التنسيق كان حاضراً مع الجهات المعنية في فرنسا بالملفّ السوري أيّ الرئيس الفرنسي ووزير خارجيته لوران فابيوس، وبالتالي أيّ حديث عن شخصنة للزيارة هو للاستهلاك الإعلامي فقط، فالرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند يواجه وضعاً داخلياً معقداً لجهة تراجع شعبية الحزب الاشتراكي، كما أنّ خارطة تموضع الأحزاب الفرنسية التقليدية وتراجع شعبيتها على حساب الأحزاب الأخرى ومنها الجبهة الشعبية فرضت إعادة النظر في السياسات التي اتبعتها الأحزاب التقليدية من اليمين واليسار بدءاً بالداخل الفرنسي وليس انتهاءً بملفات الهجرة والحرب على الإرهاب ممثلاً بـ»داعش»، هنا جاءت هجمات باريس في كانون الثاني الماضي لتبلور تياراً جديداً ضمن النخبة الفرنسية يضمّ ضباطاً من الاستخبارات الحاليين والسابقين وعسكريين فضلاً عن التيار القومي السيادي في داخل اليسار واليمين الفرنسي هذا الأخير الذي تتعالى فيه الأصوات المطالبة بإعادة صياغة علاقات فرنسا مع الدول التي يشتبه بدعمها للإرهاب وعلى رأسها قطر والسعودية من أمثال الرجل الثاني في حزب ساركوزي، برونو لومير، ورئيس الوزراء الأسبق فرنسوا فيون، وبديهي أنّ هذه المطالب تتماهى مع الحاجة إلى تغيير شامل في السياسة الخارجية الفرنسية تشكّل سورية حجر الأساس فيها.

لا يبدو الموقف الفرنسي المتشدّد من سورية محطَّ إجماع فأنصار استئناف الاتصالات مع دمشق يضغطون لإحداث تحوّل يجعلهم أقرب إلى سورية، بمعنى آخر يجعلهم أقرب من العمل على الأرض، بعد ربط دمشق ايّ استئناف للتعاون الأمني مع باريس باستئناف العلاقات الديبلوماسية التي قطعت بأمر من الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي عام 2012، هنا تنقل لوموند عما أسمته مصدر فرنسي ديبلوماسي رفيع المستوى قوله «إنّ إغلاق السفارة الفرنسية في سورية كان خاطئاً. إنّ أولئك الذين لم يغلقوا سفاراتهم بإمكانهم البقاء على اطّلاع عما يجري على الأرض ويحافظون على اتصالات مع الأسد» ويضيف الدبلوماسي الفرنسي: «في قلب أجهزة الاستخبارات توجد رغبة في استئناف الاتصالات».

(البناء)