لم يحمل الموقف الاخير للنائب وليد جنبلاط من الاستحقاق الرئاسي اي مفاجأة تذكر، فهو غير معني بانتخاب رئيس مسيحي قوي، ويستمر في التسويق لرئيس وسطي يعرف ان زمن انتخابه لم يحن بعد، ويهرب من هذه الوقائع من خلال حديثه المبهم عن «الخلافات البيزنطية» التي تمنع انتخاب رئيس حتى اليوم، لكن المفاجأة الصادمة تبقى في سر اطمئنان «البيك» حيال عدم وجود اي مخاطر مرتقبة لهجوم وشيك من قبل «داعش» و«النصرة» على لبنان، واعتباره هذه المعلومات مجرد «تهويل»؟

الكلام الصادر عن جنبلاط لديه وظيفتان اساسيتان لا علاقة لهما «بالطمأنينة»، فبحسب اوساط في 8 آذار الوظيفة الاولى لها علاقة بتجديد «البيعة» الجنبلاطية لـ«جبهة النصرة» واستكمال سياسة المحاباة الممنهجة المتبعة من قبل «زعيم» المختارة، والوظيفة الثانية تتصل بالاولى من خلال محاولة سحب «البساط» من تحت «اقدام» حزب الله ونزع اي شرعية عن عملية استباقية ينوي القيام بها مع الجيش السوري في منطقة القلمون لاستئصال الخطر التكفيري على جانبي الحدود، فجنبلاط لا يريد سقوط «النصرة» وخسارتها للمعركة هناك، فهي بالنسبة اليه خط الدفاع الاول والاخير عن مشروعه لاسقاط النظام السوري، باعتبار ان هذا التنظيم بات البديل الوحيد الان عن «الجيش الحر» الذي فقد اي قدرة على التاثير في الميدان السوري.

وتلفت تلك الاوساط الى ان خطوط التواصل بين جنبلاط و«جبهة النصرة» لم تنقطع، وهي تتقدم باطراد من خلال وسطاء اتراك وقطريين، وتحت عنوان حماية دروز سوريا، فتحت قنوات الاتصال على مصراعيها، وثمة محاولات لبناء جسور ثقة بين الطرفين مبنية على تجربة بعض الدروز في ادلب، وثمة محاولات جنبلاطية حثيثة لاقناع «جبهة النصرة» ورعاتها الاقليميين بأن موقف 90 في المئة من دروز لبنان مشابه لدروز بعض القرى الدرزية التي اتخذت موقفا حادا من النظام وساهمت في حماية «الثوار» هناك. وفي رسائله يحاول جنبلاط التأكيد انه لا يزال «يمون» على الدروز في لبنان ولم يخرجوا من تحت «عباءته» السياسة كما حصل مع غالبية الدروز في سوريا. ويقدم نفسه في لبنان «كبدل» عن «ضائع» درزي في سوريا، يمكن التعويل عليه لدعم صمود «الثورة السورية».

ويمكن الحديث هنا عن زاوية مصلحية بحتة تتعلق «باحتراق» «مراكبه» مع النظام السوري، فـ«البيك» يدرك ان التطمينات الاخيرة التي اطلقها الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله بامكان حصول تسوية في العلاقات بين الشخصيات اللبنانية المعارضة للدولة السورية، وفق اسس جديدة بعيدة عن الوصاية القديمة، قد لا تشمله هذه المرة، لانه يعرف جيدا ان التفاهم اذا ما حصل يوما مع الرئيس سعد الحريري فان القيادة السورية لن تكون معنية باعادة التواصل معه بعد ان فقد ثقة دروز سوريا وتقوقع جغرافيا في الشوف، وبالتالي لم يعد ذا «قيمة» سياسية مرتفعة، وهذا ما يدفعه الى الذهاب بعيدا في موقفه السلبي من النظام، ويتعلق في «شباك» اي طرف قادر على اسقاطه اكان «داعش» او «النصرة».

وفي رأي تلك الاوساط، فان اكثر الامور المثيرة للريبة والتي ستكون لها تداعيات كبيرة في المستقبل، ان جنبلاط لا ينطلق من خلال تقديره للمخاطر من زاوية لبنانية، فالاهم بالنسبة اليه هو حجز مقعد للدروز في «النظام الاقليمي» الجديد، وهو يعتقد ان لا عودة في سوريا الى حكم في ظل «نظام علوي»، ويبحث من الان عن نسج علاقات مع المحيط على اسس مذهبية، وهو يراهن مجددا على حلف ثلاثي يضم السعودية وتركيا ومصر، يكون رأس حربة لنظام سني يقود المنطقة في المرحلة المقبلة، وفي هذا السياق يدعو الدروز في السر والعلن الى الاستسلام لقدرهم في التعايش مع هذا المحيط، وليس مهما في هذا السياق التسميات، المهم التعامل مع هذا المشروع والرهان عليه والاستسلام لادواته مهما اختلفت تسمياته، «جبهة نصرة» جيش حر»، وحتى «داعش»، فالكل «حصان طروادة» للقضاء على المشروع «الفارسي» في المنطقة، وهذا هو «بيت القصيد».

وللدلالة على هذه الاستراتيجية الجنبلاطية تبرير «البيك» لدفاعه عن ارهاب «جبهة النصرة»، بوجود سوريين في صفوفها، فما هي علاقة الارهاب بجنسية الارهابي؟ لا جواب طبعا، اما تفسيره لهذا الاطمئنان بعدم قدرة «داعش» و«النصرة» على شن هجوم على لبنان، بانعدام قدرة التنظيم على مواجهة «الطيران والجيوش و60 دولة»، فهو مثير للريبة، لان «البيك» كما غيره يعرف ان هذا «التنظيم ليس «ظاهرة عجيبة» وانما له دور وظيفي يجري استخدامه في المنطقة من قبل اجهزة استخباراتية تابعة للدول التي تدعي انها تحاربه، فهل ثمة ضمانات بألا يجري استخدامه للضغط على حزب الله في لبنان؟ وكيف يفسر جنبلاط تلك الهجمات المنسقة على المسيحيين في العراق وسوريا؟ وهل يمكنه ان يشرح لماذا ترسم «خطوط حمراء» للتنظيم في مساحات جغرافية محددة؟ ويترك في مناطق اخرى «ليعيث في الارض فسادا»؟ ام انه يصدق ان التحالف الدولي جاد في مواجهة هذا التنظيم والقضاء عليه؟

هذا «الترف الفكري» لا ترى فيه تلك الاوساط مجرد «انفصام» عن الواقع، فالدور الذي يقوم به جنبلاط يشبه الى حد ما دور تيار المستقبل والرئيس سعد الحريري في هذه المرحلة، «منع حزب الله من الحسم على الجبهة الشرقية»، وهذا يتطلب سحب الذرائع وعدم تقديم التغطية السياسية التي تبرر القيام بعملية استباقية في الربيع المقبل، بحجة ان لا مخاطر جدية تبرر هجوم مماثل، ولذلك ثمة سعي جدي لحل ملف العسكريين المختطفين قبل «ذوبان الثلوج»، والدخول «الجنبلاطي» على خط الوساطات يتمحور في جزء منه حول هذه النقطة التي قدمت في رأي «البيك» خدمة مجانية «لمشروع» حزب الله لان الجيش اللبناني هو محط اجماع لدى اللبنانيين واستمرار عملية الابتزاز المفتوحة على مصير الجنود قد يعطي مبررات منطقية للحزب والجيش السوري لاطلاق عملية عسكرية لا يمكن انتقادها اذا ما كان الجيش اللبناني جزءاً من المواجهة.

وعلى الرغم من هذه الخلفيات لموقف جنبلاط، الا انه يدرك جيدا انه غير قادر على التاثير في الاحداث، وكلامه هذا لن يغير من الوقائع على جانبي الحدود، فهناك تداخل كبير في «المونة» الاستخباراتية على التنظيمات التكفيرية وفي طليعتها «جبهة النصرة»، واذا كان ثمة ثقل لدروز اسرائيل للضغط على هذا التنظيم لتحييد الطائفة الدرزية عن «الاذى»، فان ارتباط هذه المجموعة بأجهزة استخبارات اخرى لا يجعل من الاسرائيليين ضمانة. اما الدور «الوظيفي» لـ«داعش» فيزيد من القلق ولا يدعو الى الاطمئنان، والرهان على انتصار محور «مذهبي» على آخر ليس مضمون النتائج ومغامرة غير محسوبة. في المقابل لا يملك «البيك» اي تأثير في الطرف الاخر وبالنسبة الى محور المقاومة ثمة «اجندة» واضحة للتعامل مع التحديات، و«خارطة الطريق» للقضاء على تلك التنظيمات والحد من مخاطرها على لبنان، وقد «نفض الغبار» عن الاستراتيجية ووضعت على «الطاولة» للتنفيذ، وحزب الله ليس بحاجة لـ«تغطية» او تبرير من أحد للقيام بما هو صواب، وفي هذا السياق لا ينتظر تصنيفات جنبلاط «للارهاب»، فهو لم يكن يوما يقرأ في «قاموسه» فلماذا يفعلها اليوم وهو يخوض مواجهة مصيرية؟

(الديار)