Get Adobe Flash player

 

لا يفرض اغلاق على الضفة الغربية. ومواطنوها يمكنهم أن يخرجوا إلى الشوارع، وان يسافروا على الطرقات، وأن يقضوا أوقات فراغهم في النوادي في رام الله، أن لترميم بيوتهم. جنة عدن. ولكن كي لا ينسوا من أين جاءوا، وبالاساس إلى أين يذهبون، تذكرهم اسرائيل بان سفينة ابحارهم ليست أكثر من جثة ملقاة على قارعة الطريق، حيث أن كل من يمر يمكنه أن يركلها أو ان يبصق عليها.

أول أمس مثلا، قطعت شركة الكهرباء الاسرائيلية التيار إلى جنين ونابلس. بالاجمال 45 دقيقة من قطاع التيار. خطوة انسانية من جابي الديون، الذي سعى فقط إلى التلميح إلى السلطة الفلسطينية ماذا سيحصل اذا لم تدفع 49 مليون شيكل، مبلغ الفاتورة الاخيرة، ولا تعالج وضع الديون، التي بلغت قرابة 2 مليار شيكل. لا بد للمتشددين أن يسخروا من هذه الرقة التي تستخدم قفازات الحرير ضد المدينين. فاذا كنت تريد أن تقطع، فاقطع ـ ولا تتكلم، كان سيقترح البشع على شركة الكهرباء. ينبغي حقا الشكر لهذه الشركة، التي تعرف جيدا كيف تلف على رقبة الاقتصاد الاسرائيلي، في أنها اكتفت بثلاثة ارباع الساعة، فجعلت سكان نابلس وجنين يفقدون أمانهم الكهربائي.

أما لسكان رام الله فنحت اسرائيل هدية اخرى، سبق أن كتب عنها هنا. فمدينة روابي بنيت على افخر ما يكون، وشيء واحد فقط ينقصها ـ الماء. فأزعر الحي يطلب فجأة من لجنة المياه المشتركة، الاسرائيلية ـ الفلسطينية، ان تنعقد وتقر المشروع والا فانه لن يفتح الصنبور. واللجنة لا تنعقد منذ سنين، لان الفلسطينيين لا يريدون ان يقروا المشاريع الاستيطانية. ولكن هل سمع احد ما عن النقص في المياه للمستوطنات لان اللجنة لا تنعقد؟

لقد تحولت اسرائيل فجأة لتكون محافظة على القانون، تتمسك بتزمت بالاتفاقات التي ساهمت هي نفسها في تحطيمها. واذهب لتخمن متى ستقرر الالتزام بالاتفاقات، ومتى ستخرقها. ففي كانون الثاني خرقت مرة اخرى الاتفاقات التي وقعت عليها، حين قررت تجميد تحويل أموال الضرائب التي تجبيها عن الفلسطينيين. نصف مليار شيكل فلسطيني موضوع في الخزينة الاسرائيلية وينتظر اللحظة التي يزرق فيها لسان السلطة من الاختناق. ومنذ نحو شهرين يتلقى نحو 180 الف موظف ورجل أمن يفترض أن يطبقوا التنسيق الامني مع اسرائيل، رواتب جزئية.

وهذا سيكون من نصيبهم ايضا في شهر اذار، ففي موسم الانتخابات لا تدفع الديون ولا يقدم المعروف للفلسطينيين. ونذكر فقط بان القرار غير القانوني هذا هو بالاجمال انتقام على أن السلطة قررت الانضمام إلى دستور روما ومن هناك إلى محكمة الجنايات الدولية. يا له من خطأ. فقد نسيت السلطة مرة اخرى من هي الجماعة التي تدير الحي، ولهذا فان عليها أن تدفع ثمنا باهظا. خسارة أنها لا تكرس زمنا أكبر لمشاهدة مسلسلات الجريمة الشعبية.

تفهم السلطة المرضوضة أخيرا بان من اعتبرتهم اصدقاءها الطيبين هم ايضا يخافون التورط مع العصابة. وزير الخارجية الامريكي جون كيري تلفظ بتحذيره الدائم من أن السلطة الفلسطينية ستنهار اذا لم تحول اسرائيل اموال الضرائب. الاتحاد الاوروبي، من اعضاء الرباعية، التي من مهمتها رعاية تنفيذ الاتفاقات، حرك رأسه بأسف، وصوت «المعسكر الصهيوني»، أمل شعلة الغباء السياسي، تجمد من البرد.

فما الذي يمكن عمله حقا عندما تصبح شركة الكهرباء، سلطات الجمارك ووزير البنى التحتية الوطنية بديلا عن الحكومة؟ فهم الذين يقررون السياسة، هم الذين ينفذونها وهم الذين لا يدفعون ثمنها. وهكذا ينشأ مدماك آخر من منظومة الاحتلال: احتلال من بعيد. يغلقون على أموال الضرائب، ينزلون كابس الكهرباء، لا يفتحون صنبور المياه، الايادي لا تتسخ، ولا ضحايا في الارواح، والخوف من الاحتلال يبقى، والحبل على الجرار.

هآرتس