استفاق العالم بالأمس على تغريدة للرئيس الأميركي دونالد ترامب يعلن فيها إقالة مستشاره للأمن القومي جون بولتون المعروف بأنه من كبار صقور المحافظين الجدد.. ومن دعاة شنّ الحروب ضدّ الدول التي ترفض الهيمنة الأميركية.. وظهر موقفه هذا في التحريض على شنّ الحرب ضدّ فنزويلا والجمهورية الإسلامية الإيرانية ووقوفه وراء تراجع ترامب عن سحب كلّ القوات الأميركية من سورية.. وتعطيل الاتفاق مع حركة طالبان لسحب القوات الأميركية من أفغانستان.. وتوتير العلاقات مع الصين وعرقلة التسوية معها بشأن التبادل التجاري.. وكذلك توتير العلاقات مع روسيا إلخ…

 

وقد شهدت اجتماعات البيت الأبيض سجالات بشأن كلّ هذه المسائل… لا سيما في ما خص دعوة بولتون لشنّ هجوم

ضدّ مواقع في إيران اثر إسقاط الدفاعات الجوية الإيرانية طائرة التجسّس الأميركية.. حيث تراجع ترامب عن قرار بتنفيذ ضربة محدودة لبعض الأهداف في إيران بعد نصيحة البنتاغون له بأنّ ذلك قد يؤدي إلى تعريض القوات الأميركية في الخليج للخطر الشديد لأنّ إيران سوف تردّ في حين هناك احتمالات بأن يقود ذلك إلى اشتعال حرب واسعة في كلّ المنطقة وتعريض الكيان الصهيوني لخطر حقيقي.. على انّ وقوف بولتون وراء تخريب الاتفاق مع طالبان كان بمثابة «القشة التي قصمت ظهر البعير» التي دفعت ترامب إلى اتخاذ قراره بإقالة بولتون.. والأسباب واضحة لدى ترامب وهي أنه يقترب من خوض معركة انتخابات رئاسية سعياً للفوز بولاية ثانية، وأيّ تورّط في حرب تتسبّب بخسائر مادية وبشرية كبيرة قد تقضي على حلمه بإعادة انتخابه من قبل الأميركيين الذين لا يريدون ذهاب أميركا إلى حرب جديدة ستكون كلفتها أكبر بكثير من كلفة حربي العراق وأفغانستان، لا سيما أنّ الدول التي تواجه أميركا.. ويريد عتاة الحرب وفي مقدّمتهم بولتون شنّ الحرب ضدّها.. هي دول تملك القوة والإرادة والتأييد الشعبي الكاسح في بلدانها على عكس الواقع الذي كان قائماً في أفغانستان والعراق عشية غزو القوات الأميركية لهما.. كما أنّ الظروف الدولية والإقليمية مختلفة كثيراً عما كانت عليه سابقاً.. فاليوم لم تعد أميركا متفرّدة بالقرار الدولي والعالم يخضع لها.. بل على العكس فإنّ أميركا باتت في عزلة كما قال أحد عتاة التطرف في واشنطن دينيس روس في مقال له في معهد واشنطن للدراسات.. في حين الانقسام الدولي الآن في أوجه. روسيا والصين تقفان إلى جانب فنزويلا وإيران ضدّ ايّ حرب أميركية، وأوروبا لا تؤيد الحرب، فيما محور المقاومة في المنطقة أصبح أكثر قوة واتساعاً وتماسكاً في مواجهة ايّ حرب أميركية صهيونية.. أما فنزويلا فهي أيضاً ليست وحيدة في أميركا اللاتينية فهناك العديد من الدول التي تقف إلى جانبها وفي المقدّمة كوبا وبوليفيا ونيكاراغوا إلخ…

لهذه الأسباب مجتمعة لا يريد ترامب الحرب ويؤيده في ذلك الجنرالات في وزارة الدفاع.. وترامب فاز بالرئاسة بناء على برنامج وعد فيه بعدم شنّ الحرب بل إنه حمّل أسلافه مسؤولية النتائج الكارثية التي تسبّبت بها حروبهم.. على أولوية إنعاش الاقتصاد الأميركي الذي يعاني من الأزمة الناتجة عن التكاليف الباهظة للحروب الفاشلة في العراق وأفغانستان.. التي وقف وراء القيام بها المحافظون الجديد في عهد الرئيس جورج بوش الابن.. جعلت ترامب يعطي الأولوية للاقتصاد الوطني والعمل على توفير الأموال لتنشيط الصناعة الأميركية، وهو نجح بنسبة معينة في إنعاش الاقتصاد والحدّ من البطالة، لكن ليس إلى المستوى الذي يحلم به.. وساعده في ذلك ابتزاز دول الخليج وخصوصاً المملكة السعودية والحصول منها على مئات المليارات الدولارات.. ولهذا فإنّ استراتيجية ترامب اتجهت الى استبدال الحروب العسكرية الباهظة والمكلفة وغير مضمونة النتائج.. بشنّ حروب اقتصادية لا تكلف أميركا أيّ أعباء مادية أو بشرية.. بل أنّ ترامب وتحت عنوان توفير الحماية للحكومات التابعة لواشنطن يجبر هذه الحكومات على دفع نفقات القوات الأميركية المنتشرة في الخليج.. في حين أنّ ترامب يفرض الحصار الاقتصادي على إيران ورسم سقفاً لهدفه من ذلك وهو دفع الرئيس حسن روحاني للاجتماع معه وقبول التفاوض لتعديل الاتفاق النووي.. ومع ذلك فإنّ هذا الهدف الذي يلهث وراءه ترامب لم يتحقق فيما الحصار لم ينجح في تصفير صادرات النفط الايرانية.. وهو يسعى اليوم عبر المبادرة الفرنسية لإيجاد مخرج لمأزقه عبر تقديم بعض الحوافز لطهران لإقناعها بقبول الاجتماع معه.. لكن إيران لم تحقق له مبتغاه وأصرّت على شروطها المسبقة القاضية برفع العقوبات والعودة إلى الالتزام بالاتفاق النووي وأن يكون اللقاء بعد ذلك ليس ثنائياً وإنما في إطار مجموعة الخمسة زائد واحد…

من هنا فإنّ إقالة بولتون هدفها الأساسي تحميله مسؤولية الفشل الذي تعاني منه الاستراتيجية الأميركية في كلّ اتجاه.. والتي أدّت إلى تراجع في شعبية ترامب وفق آخر استطلاعات للرأي من 44 بالمئة إلى 38 بالمئة.. وعلى الرغم من أنّ ترامب اعتبر هذه الاستطلاعات من صناعة وسائل الإعلام المعارضة له.. إلا أنها أثارت القلق لديه لا سيما أنّ أحد الأسباب التي تقف وراء هذا التراجع يكمن في تضرّر المواطنين الأميركيين من استمرار الحرب التجارية بين واشنطن وبكين والتي أدّت إلى رفع الرسوم، وبالتالي ارتفاع أسعار السلع والمنتجات الصينية في أميركا.. فمن المعروف أنّ ترامب بدأ هذه الحرب التجارية لأجل التفاوض مع الصين لتصحيح الخلل في الميزان التجاري بين البلدين وليس للاستمرار في هذه الحرب كما يريد بولتون.. لأنّ الاستمرار في الحرب التجارية يحول دون تحقيق ترامب هدفه في إحداث المزيد من التحسّن في الاقتصاد الأميركي..

على انّ إقالة بولتون وجه صفعة قوية لدعاة الحرب في واشنطن.. ولمناصري الحرب في كيان العدو الصهيوني وبعض الحكومات والأحزاب والقوى العربية واللبنانية التي كانت تراهن على إقدام الولايات المتحدة على شنّ الحرب ضدّ إيران لتعديل موازين القوى لمصلحتها.. بعد أن أخفقت الحروب الإرهابية في تحقيق أهدافها في إسقاط الدولة الوطنية السورية وإعادة العراق إلى بيت الطاعة الأميركي، وعزل المقاومة في لبنان، وصولاً إلى تصفية القضية الفلسطينية وتمكين الكيان الصهيوني من أن يصبح دولة طبيعية مندمجة في المنطقة ويتسيّد عليها.. لذلك فإنّ إقالة بولتون كانت بمثابة سقوط لرهانات هؤلاء حتى أنهم أصبحوا في حالة من اليتم والإحباط واليأس التي لا ينفع معها الكلام المعسول الذي يقوله لهم المسؤولون الأميركيون لرفع معنوياتهم.. ذلك أنّ فعل ترامب أبلغ وأقوى من أيّ قول هدفه تطيب خواطر حلفاء وأعوان واشنطن…

(البناء)