Get Adobe Flash player

هم سكنة المناطق الشمالية من أثيوبيا أي مناطق النيل الأزرق وبالذات إقليمي «غوندرا» و«تيغرا» ينسبون أنفسهم إلى اليهودية من خلال الإحتفاظ بنصوص يهودية مقدسة (مثل كتاب الـ«ـأوريت» وهي ترجمة لكتاب العهد القديم إلى لغة «غيعز» وهي لغة قديمة سابقة على الأمهرية في شمال شرق أفريقيا) وكذلك ممارساتها الدينية مرتبطة باليهودية ما قبل الربانية (وهي فرقة تؤمن بالتوارة الشفاهية والمكتوبة عكس القرائين والصدوقيين). وكانت تعيش هذه الجماعة بشكل مختلط مع المسيحيين الأورثوذكس، ولكن بحكم مغايرتهم عن الأغلبية دُفع الفلاشا إلى هوامش النظام الإقتصادي الأثيوبي، حيث لم يكونوا يتملكون الأرض وأمتهنوا أغلب المهن الحرفية من الحدادة وصناعة الخزف والنسيج.

 

منذ العام 1905 بدأ ربط الفلاشا بالتيارات المركزية اليهودية (وخصوصاً الأوروبية)، أي تحديدً بعد صعود الأيديولوجيا الصهيونية. تم ذلك عن طريق يعقوب بيتلوفيتش الذي يُعتبر مكتشف الفلاشا معتمداً على رواية توراتية حول فقدان أحد الأسباط (دان) في هذه المنطقة وبالتالي هؤلاء هم أحفاده، وهو مبعوث من الوكالة اليهودية تولى الإشراف على دورات تعليمية قامت بتعليم الفلاشا عدة طقوس يهودية ربانية منها الصلاة العبرية، واضاءة الشمعدان واستخدام شعار نجمة داوود والتي كلها لم تكن معروفة لديهم.

على الرغم من إن الفلاشا كانت علاقاتهم ببقية الطوائف علاقة طبيعية تربطها زيجات بل إن طقوسهم الدينية كانت مشابهة للمسيحية وحتى الترتيب الوظيفي الديني كان مشابها لترتيب الكنيسة اضافة الى الرهبنة وتقديم القرابين، وفي بعض الأحيان يؤدي الفلاشا الطقوس اليهودية والمسيحية معاً إلا إن بعثة بيتلوفيتش جعلت منهم كيانا متمايزا عن البقية.

في سبعينيات وثمانينات القرن العشرين ومع نشوب نزاعات مسلحة بين الدولة الأثيوبية بقيادة مغنستو هيلا مريام والجماعات المتمردة ومرور فترات القحط والجفاف ساهم بتفكك النسيج الإجتماعي الأثيوبي مما أدى إلى هجرات جماعية للمسيحيين ومعهم الفلاشا من شمال أثيوبيا نحو السودان، وتولى آنذاك عملاء الموساد تهريب الفلاشا الآمن إلى مخيمات اللاجئين في الخرطوم في حين تُرك المسيحين الأثيوبيين يقاسون مشقة الطريق والاوبئة حيث هلك منهم الآلاف. من السودان بدأت عملية «موشي» في نوفمبر عام 1984 ودارت على نحو شهرين بتعاون أمريكي إسرائيلي سوادني والتي قضت بنقل 10000 من الفلاشا من مطار الخرطوم إلى فلسطين المحتلة على مدار شهرين مقابل معونة أمريكية لجعفر النميري ولم تكتمل العملية بعد انكشاف امرها اعلامياً.

مع حلول التسعينات وتفاقم أزمة الوضع الأمني والإقتصادي الأثيوبي أستأنفت الحكومة الأثيوبية علاقاتها مع الكيان الصهيوني بهدف الحصول على معونات أمريكية وبدأت معها عملية «شلومو» التي أفضت إلى تجميع الفلاشا من قراهم إلى أديس أبابا ثم إقامة جسر جوي بين أديس أبابا و"تل أبيب" أوصل إلى ما يقارب 14300 فلاشي مع ما يقارب 10000 من اليهود المتنصرين «الفراس مورا/الفلاشا مورا».

وصول هؤلاء الداكني البشرة إلى مجتمع الثكنة الإستعماري لم يكن يعني إندماجهم فيه، فالأيديولوجية الإستعمارية تضع حداً غير قابل للإختراق وهو حد العرق، إذ إنه بالرغم من إعتراف الفقهاء الصهاينة بيهودية هؤلاء السود إلا إن الـ«ـرنبوت» (المجلس الديني الأعلى) شكك بيهوديتهم لذلك طالب بإجتيازهم طقوس تهويد، كذلك مراجعة ختانهم وتطهرهم، كما إن أحوالهم الشخصية وفتاواهم سُحبت من رجال الدين الاثيوبيين (كيسيم. مفردها كيس وتعني حاخام باللغة الامهرية) وبالأخص عقود الزواج وحُولت قضاياهم فقهاء الدين الارثوذكسيين.

على إثر هذا أندلعت إحتجاجات عنيفة بين الأثيوبيين وسلطات الكيان الصهيوني في التسعينات بشكل مشابه لما يدور اليوم، لكنها لم تغير من حقيقة وجود هذه الفئة كفئة مستفيدة من "قانون العودة" لكنها لن تنال ما ناله اليهود الروس مثلاً. لذلك دُفعوا إلى أحط الطبقات في الكيان الصهيوني حيث إن رأسمالهم البشري القليل ساهم بعدم إستطاعتهم تكوين قوة سياسية ضاغطة، كذلك رأسمالهم الإقتصادي الضعيف وقدومهم من قرى نائية ريفية جعلهم في ادنى المراتب المعيشية والثقافية حيث يعمل الرجال في مهن متفرقة كما إن اشهر مهنة أمتهنتها نساء الفلاشا في الكيان الصهيوني هي خدمة المنازل.

إن وجود هذه الفئة المستطونة التي تقبع في ذيل مجتمع الثكنة هذا بالرغم من يهوديتها التي تعتبر رأس مال قوي في كيان بُني على خرافة دينية تقبع خلفها مصالح رأسمالية تطيح بأسطورتين صهيونيتين أولهما إن اليهود جمعيهم يعودون لأب واحد وبالتالي لا تمايز بينهم، وثانيمها هي عدم وجود أُسس عنصرية في الصهيونية.

إن هذه الفئة المستوطنة التي جاءت حالمة بالحصول على ما حصل عليه اليهود الروس فتحصلت بالواقع على مجتمعات مزارع قصب السكر في أمريكا الجنوبية تطيح بكل الخرافات حول طبيعية هذا المخفر الإمبريالي.

عن صفحة مجموعة العمل الوطني العربي