ليس من قبيل المبالغة القول إن اليمن المنهك والمحاصر قلّص دور قوات سعودية وإماراتية ومرتزقة مدعومة من الغرب الأميركي والاوروبي والإسرائيلي مع بعض الدعم العربي المتنوع والاقليمي .

انها الحقيقة المتجسّدة في قدرة هذا اليمن الذي يتعرض منذ أربع سنين لاجتياح يتسبب بمجازر في المدنيين والبنيان المأهول والحضاري، لتمكّنه من الاستمرار في القتال والصمود والعودة الى ضرب الوظيفة الأساسية لآل سعود متسببين بنشر رعب في الإمارات والبحرين وبعض دول الجوار ومسجلين لكمة نوعية في وجه النفوذ الأميركي.

لإظهار صدقية الاستنتاج فإن العودة الى بيانات القوات السعودية والإماراتية ودولة عبد ربه منصور هادي الوهمية التي ظلت تزعم ومنذ 2015 أنها دمرت معظم إمكانات أنصار الله وحلفائه في المؤتمر الشعبي والجيش وتنشر صوراً عن تدمير لا تزال تدّعي انه لمؤسسات عسكرية للحوثيين والإيرانيين وحزب الله.

بعد اربع سنوات على هذه المزاعم ينجح انصار الله في إلغاء قسم هام من الدور السعودي العالمي، وذلك بإنجازين: صمودهم في القسم الجبلي والغربي من اليمن الذي حوّلوه الى «ستالينغراد يمنية»، أجهضت كل المحاولات السعودية والغربية لاسقاط اليمن بكامله.

فتحول فخاً لتدمير القوات الغازية سامحاً لأبناء مناطق الجنوب المحتل باكتشاف الاهداف الاستعمارية للإمارات والسعودية في مناطقهم وجزرهم وتغطيتهم للمشروع الأميركي الإسرائيلي المشترك. أما الإنجاز الثاني الذي لم يصعق الخليجيين فقط بل الغرب بأسره، هو تمكن أنصار الله وحلفائه من ضرب الوظيفة السعودية الأساسية، المتعلقة بإنتاج نفطها وبيعه للخارج بواسطة الأنابيب والبوارج.

كيف تمكّن هؤلاء المحاصَرون من هذا الإنجاز؟

انها الطائرات المسيرة من دون طيار الالكترونية التي نجحت بتصنيعها المتقدم من اختراق السماء السعودية المراقبة من اقمار اصطناعية أميركية وأجهزة رادار سعودية من أرقى إنتاج غربي معروف تمكنت من الاختراق وقصفت في رأس التنورة في الوسط السعودي أهم مصافي للنفط وتبعتها بقصف آخر عند مدينة ينبع على الساحل السعودي في البحر الأحمر فأحرقت مصافي نقل وتكرير لشركة أرامكو السعودية.

هناك من قال إن إحراق مصافي هاتين المنطقتين اوقف تصدير نصف الكتلة النفطية المنتجة والمقدرة بـ 12 مليون برميل نفط يومياً، اي ان هناك ستة ملايين برميل اصبحت خارج الخدمة لأمد طويل، الأمر الذي يدفع باتجاه أسعار عالية جداً للنفط.

هذا ما أظهر العجز السعودي الذي باشر الصياح منبهاً الى أن هذا القصف يستهدف العالم بأسره وليس السعودية بمفردها.

ما يدلّ على عجز السعودية عن معاودة دورها الكامل بالتصريح من دون تغطية غربية كاملة.

لقد أدى هذا القصف الى خسارة أسواق البورصة في الخليج في الساعات التالية على القصف نحو 33 مليار دولار وارتفاع الطلب العالمي على الطاقة نحو 1 ونصف مليون برميل يومياً. وهذه نتائج ساعات بعد الظهر التي أعقبت احتراق المصافي.

فما هي مؤشرات هذا الهجوم على النفط السعودي؟

على مستوى الصراع السعودي أنصار الله بدا أن السعودية قوة متراجعة ينكفئ بريقها بشكل سريع مقابل صعود قوات أنصار الله المحاصَرة والتي تمكنت من اختراق الأنظمة الأميركية والسعودية بطائرات من تصنيعها اليمني وباعتراف السعودية التي تؤكد أنها تحاصر اليمن بالاشتراك مع الإمارات والاساطيل الأميركية والإسرائيلية بإسناد بحري مصري وبريطاني وفرنسي. وهذا كافٍ للتأكيد على دور الحلف اليمني من جيش ومؤتمر شعبي وأنصار الله في ردع العدوان على اليمن.

لكن الحقيقة الأكثر مرارة هي أن هذا الحلف اليمني سلب من السعودية دورها الإقليمي والعالمي فارضاً أهميته في التأثير على حركة المرور من باب المندب في اتجاهيه نحو قناة السويس والمحيط الهندي أو الخليج.

بالإضافة الى سيطرته على مساحات شاسعة من السعودية والإمارات بالقصف بالطائرات من دون طيار أو بالقصف بالصواريخ. وهذا يقفل الطريق على 20 في المئة من حركة التجارة العالمية الى جانب عرقلة حركة نحو 25 مليون برميل يومياً تشمل إنتاج السعودية والإمارات والكويت وإيران والعراق.

وهذا يؤدي على الفور إلى ارتفاع اسعار النفط الى مئتي دولار وربما أكثر للبرميل الواحد.

أما على مستوى التوتر في المنطقة فقد يتدهور نحو حرب كبيرة لا يريدها الطرف الأميركي حالياً، لكن السعودية و»إسرائيل» تبذلان جهوداً جبارة لإيقادها بتوريط الأميركيين بها وبهدف تفجير إيران وتالياً اليمن مع استعادة العراق وسورية.

لذلك يجد الأميركيون أنفسهم اليوم امام اربعة انواع من التحدي: يمني يثبت كل يوم مدى قوته في إرباك الادوار الرئيسية للخليج في إنتاج النفط، وشجاعته في صد العدوان الهمجي الخليجي الأميركي الإسرائيلي المشترك الذي يستهدف بلاده، ثانياً تُقدم إيران فرصة تاريخية لكل المنزعجين من البلطجة الأميركية في العالم بالكشف عن إمكاناتها الضخمة في وجه حصار أميركي عليها لا مثيل له باستعراض القوة منذ ازمة خليج الخنازير مع الروس في ستينيات القرن الماضي.

اما التحدي الثالث فهو سورية التي لا تزال تقاوم الهجوم الأميركي التركي الإسرائيلي عليها المستمر في شرقي الفرات والشمال الغربي للبلاد، وذلك بعد نجاحها في تحرير 120 ألف كيلومتر مربع من مساحة سورية.

لجهة التحدي الرابع فهو روسي صيني يشعر أنه معني بدعم القوى التي تحارب الهمجية الأميركية لأنه مستهدف بدوره.

الأميركيون الى أين؟

قد يجدون أنفسهم مضطرين لتنفيذ رد محدود لإنقاذ هيبتهم المتراجعة.

ولا يمكنهم تنفيذها بضربة صغيرة لإيران التي قد ترد على مستوى إقليمي واسع فلا يتبقى إلا توجيه ضربة لواحد من هدفين وباختراع أسباب لهما: اليمن وسورية، لكن أحداً ما قد يقول لها إن إيران واليمن وسورية جبهة واحدة بوسعها الرد الشامل على أي اعتداء جزئي بمعونات من مختلف المستويات، قال الروس إنهم جاهزون لتوفيرها اذا شعروا أن حلفاءهم بحاجة اليها لوقف الهمجية الأميركية. اليس هذا معنى الكلام الذي صرح به وزير الخارجية الروسي لافروف منذ ايام عدة.

فكيف يعيد الأميركيون لسعوديتهم دورها النفطي؟

المنطقة في غليان وانسداد في آن معاً، فمن يسبق؟ انها بالطبع القوى المحلية التي تدافع عن أوطانها في وجه غزاة يستعملون أدوات محلية تستعمر المنطقة منذ عصر المماليك.

(البناء)