على أعتاب المئة من السنين طوى الرئيس الأستاذ الدكتور حسن الجلبي أوراقه وجمع ملفاته وانتقل الى حيث انتظر أن تكون نهاية رحلة العمر متوجّهاً إلى ربه بقلب سليم وفكر قويم ويقين عظيم تاركاً خلفه ثروة تتميّز عن ثروات الآخرين قلّ ان عرف مثيلها المتتبّعون .

حسن الجلبي ابن العراق بالولادة والعلم والتعليم وابن لبنان في العمل والارتقاء في مدارج العلم والتعمّق فيه، والمميّز في التخطيط الأكاديمي الجامعي وإدارته، شكل في ذاته ظاهرة إنسانية ندر مثيلها بدءاً مع الخطوات الأولى لحياته وصولاً الى الساعات الأخيرة منها، فكان في مسيرته مصداقاً لقول الله تعالى «يا أيها الإنسان انك كادح الى ربك كدحاً فملاقيه»، وهو بالفعل عاش حياته بالعلم والعمل والكدح الجادّ منذ نعومة أظفاره وحتى النفس الأخير من حياته.

ففي الطفولة فقد «الصبي حسن» بصره قبل ان يعرف رسم حرف أو يدرك كتابة كلمة بخط يده، وكان هذا التحدي الأكبر والأفظع الذي واجهه الطفل وأهله، هنا كان القرار الحاسم من الوالد عبد الهادي، القرار الذي استند على ما أعتقد أنه إرادة عند الطفل ورغبة في التعلم والتحصيل: «حسن يجب ان يتعلم ولتكن لحسن عيون إعارة وهو يتدبّر الأمر بذكائه وإرادته»، قرار ترجم في الواقع بأن عيّن لحسن معلم وقارئ وكان حسن المتلقي الفذّ الذي يسهل أمر المعلم والقارئ الذي يتحد في شخص واحد أحياناً ويتوزّع على أشخاص متعدّدين وفقاً لتقدّم حسن في سلّم التحصيل العلمي، وحسن الذي فقد البصر عوّضه الله عنه بنفاذ البصيرة وعمقها وشدّة الذكاء وحدّته وسرعة الملاحظة ودقتها، صفات استمرت لدى حسن وتعاظمت وتجذرت حتى بات لتطبيقها الكثير الكثير من الأمثلة التي يعرفها من عاشره وعايشه، أمثلة تقود الى الذهول الشديد أحياناً حيث تجد فيها الرجل حسن يتفوّق على المبصرين عضوياً ويتجاوزهم بأشواط كبيرة وتجدهم لا يتقنون فيها مقداراً صغيراً مما يتقن الكفيف حسن.

لقد أطاح حسن بالإعاقة البصرية التي دهمته في الطفولة، واقتحم سدة الدكتوراه في الحقوق وامتلكها بجدارة وسار الى قاعات التعليم العالي بكفاءة عالية وهنا لا يمكن ان يغيب عن البال كيف أنه أذهل متابعيه، وكيف أنه حاز عن استحقاق رتبة الأستاذية وهو في سنّ الـ 39، وهي محطات يعلم ذوو الشأن كم تتطلب من العمل والجهد والاطلاع والتنقيب والبحث والتأليف.

وفي لحظة سياسية حرجة أحسّ أ. د. حسن الجلبي انه بحاجة لفضاء فكر وتفكر فسيح، وشعر انّ بلده في ظلّ ظروفه السياسية المستجدة آنذاك لا يتيح له ما يريد، فغادر العراق الذي عشق وأحبّ وأسكنه في قلبه وعقله ووجدانه، متجهاً الى لبنان واحة الحرية لدى العرب فجاء إليه حاملاً كلّ ما حصّل ومتحفزاً لتحصيل المزيد ومستعداً لنشر ما امتلك ناصيته من فقه قانوني وأحكام علم بالمبادئ والأصول والفروع القانونية، وطرق باب الجامعة اللبنانية التي وفرت له فرصة العطاء ونشر أفكاره وأتاحت له الاستزادة من التحصيل والتفاعل مع الطلاب، وهنا كان الأستاذ الدكتور حسن النبع الفياض الذي منه ينهل طلاب الدراسات العليا المعارف القانونية في محاضرات وندوات وحوارات حول الدستور والحريات والأنظمة السياسية، أما الميدان الذي انفرد فيه ولم ينافسه فيه أحد في لبنان فقد كان فلسفة القانون التي اشتهر الأستاذ حسن بأنه أستاذها الأول في جامعات لبنان، وبالتحديد في الجامعة اللبنانية والجامعة العربية في بيروت، قبل ان يوسع ميدان نشاطه فيها الى الجامعة الإسلامية في لبنان التي ساهم في تأسيسها وكان أول رئيس لها، وكان له في هذا المضمار طلاب ومريدون ومتتبّعون واتخذه كلّ من أراد الإبحار في هذا المجال مرجعاً وعميداً لهذا الباب

اما في الجامعة الإسلامية التي أنشئت من قبل المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى فقد كان للدكتور الأستاذ حسن الجلبي الباع الطويل في تنفيذ قرار تأسيسها وكانت له فيها ميدان عمل آخر يضاف الى ما سبق، حيث انطلق من الصفر، وعمل لنيّف وعقدين على تكوين الجامعة معهداً معهداً وكلية كلية، ومكّنها من امتلاك هوية التميّز والانتظام، وجمع الرئيس حسن الجلبي في شخصه بين الأستاذ الأكاديمي والقائد الإداري بشكل متوازن ومتماسك، وحرص على سمعة الجامعة وسمعة شهادتها ونجح في سعيه إيما نجاح، نجح الرئيس في التأسيس ونجح في الإدارة ونجح في التطوير ونجح في التفريع واستقطب الى الجامعة كبار الأساتذة المعروفين في لبنان والمميّزين في اختصاصاتهم، وتمكّن من جعل الجامعة محلاً للثقة الكبيرة فيها وبرئيسها، حتى تبوّأت موقع رئاسة اتحاد الجامعات العربية.

صاحب رأي وفكر ورجل قرار وموقف كان الأستاذ د. حسن، كان همّه العلم تحصيلاً ونشراً فاتخذ منه رسالة لخدمة أغراض ثلاثة انطوت عليها نفسه، وعرف متى وكيف وفي أيّ مقدار يبرزها، كان عنيداً صلباً في المواقف مع مرونة مهذبة بالعبارات والألفاظ وكان من عرفه يدرك ما يريد من ردة فعله الأولى وكان من جهله يمَنّي النفس بالحصول على ما يريد منه خلافاً لقناعته، اما النتيجة فكانت راحة لمن عرف وتعب لمن جهل وسير الأمور في الاتجاه الذي خطه الرئيس الدكتور الجلبي بعد عميق درس وتشريح وتحليل وقياس على مصلحة من المصالح الثلاث التي عمل لها: الوطنية او القومية أو الدينية.

أما التواضع العلمي المقرون باحترام النفس والآخرين فقد كان سمة تميّزت بها شخصية الدكتور حسن الجلبي فهو على سعة اطلاعه كان يقرّ للآخر بفضله، ويحب ان يسمع كلّ جديد مؤمناً بأنّ منابع العلم لا تنضب وانّ فيها الجديد دائماً، والجاهل هو من اعتبر نفسه قد اكتفى، لذلك ألزم الأستاذ نفسه بمطاردة الجديد في أبواب المعارف التي ولجها، وقدّم في ذلك أمثولة لا بل تطبيقاً رائعاً للأمر الخالد «اطلب العلم من المهد الى اللحد». اللحد الذي غادر إليه الرئيس الأستاذ الدكتور حسن الجلبي ليطوي ظاهرة ندر وجودها، تاركاً عظيم الأثر في العلم وطيب الأثر في الذكر الحسن والمحبة في القلوب التي سكنها باستحقاق كلي… فرحمة الله عليه واسكنه الله فسيح جنته مع من أحب.

(البناء)