Get Adobe Flash player

 

من باريس يبدو العنف وكأنّه يتثاءب في أوطان الربيع العربي المشغولة بإزالة ركام الحروب والتطلّع نحو المدن وتنظيف زجاج ناطحات السحاب أكثر من تنظيف بقايا النفوس المثقلة بالمآسي والكوارث والإنكسار.

نشرت من باريس منذ أسبوعين، توصيفاً منقولاً مقلقاً للبؤس الكامن في الوجوه الفرنسيّة في الشوارع والحافلات والساحات الفرنسيّة. كان سهلاً تلمّس الإحتقان الظاهر القابل للإنفجار عند أي مفترق. بدت فرنسا مخزناً جديداً غير مألوف للفرنسيين كما للطافشين من أنظمة العرب والمسلمين ولو أدركهم الموت غرقاً في البحار أفضل من الغريق والحريق بين أيدي الإرهابيين.

صارت أوروبا محطّة عالمية لهضم الثقافات اللامنتهية الزاحفة إليها حيث يتزاحم عند أبوابها أكوام البشر المنقوعين بالقلق والعوز والرعب. ويورث النزوح في المقابل، السقوط المتنامي الطبيعي نحو شدّ العصب والتعصّب والعنصرية الشقراء، وكأنّ الدول العظمى صارت تشابه الصغرى. بإختصار تترهّل ملامح العظمة التي ما زلنا نستظلّ بها على ضفاف المتوسّط.

بلغ الإحتقان الفرنسي الإنفجارالمفاجيء عبر جماعات كبيرة وفرق السترات الصفراء في مشاهد عنف وتكسير وتخريب وحرق أرقى المعالم والأحياء الباريسية، أذهلت أوروبا والعين العالمية إذ تعتبر فرنسا متقدّمة في "كوزموبوليتها" Cosmopolitisme أي بوصفها دولة جامعة تفتح ذراعيها للأجناس المتنوّعة. ربّما لأن فرنسا قريبة آلفناها ونستشعرها، أو لأنّ الحروب الكثيرة في بلادنا علّمتنا إستشراف حصول الخرائب وملامحها قبل حدوثها.

صحيح أنّ السبب المباشر كان رفع الضرائب على البنزين والديزل تشجيعاً لإستخدام وسائل نقل أقلّ ضرراً على البيئة، لكنها "حجّة لا تقلي عجّة" كما يقال في المثل العربي الدارج. الأصحّ أنّ مشاهد ردّة الفعل لها أبعادها ومعانيها التي لا مزاح فيها بعدما سلخت الحرائق عن وجه فرنسا الحاملة أوروبا فوق كتفيها بالتعاون مع إلمانيا أسئلة وأموراً مهمّة:

أوّلاً: في الأسئلة المتضمنة أجوبتها:

1- إلى ماذا كان يتطلّع إيمانويل ماكرون وما هي حقيقة نواياه عندما أعلن عن إنشاء جيش أوروبي موحّد يجمع كافة جيوش فرنسا وإلمانيا وإيطاليا والنمسا وإسبانيا والبرتغال وسويسرا وبريطانيا وإيرلاندا وبلجيكا وغيرها بما يوحي أنّ كلامه ونواياه محشوة بحثاً عن قوّة عالمية عظمى لا يمكن أن يضاهيها دولة أخرى في ما يمكن أن تختزنه من الأسلحة ومصانع الأسلحة العادية إضافةً إلى الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجيّة؟

2- ماذا يمكن لأميركا أن تفهم من هذا الكلام في ضوء إيحاءات ماكرون بتحالفه حتّى حدود التبعيّة لأميركا إذ يدعو إلى جيش يحمي قارته بدلاً من الحلف الأطلسي؟

3- أين تقع إسرائيل من هذا كلّه؟ ألا يمكن القول أننا كنّا بعد وصول أوباما من أصول إسلامية الى البيت الأبيض، كنّا ننتظر إيصال يهودي إسرائيلي صهيوني الى هذا البيت ليحكم مباشرة؟ أليس هو واقع الحكم الأميركي اليوم؟

4- أين هي فلسطين وأين هي القدس وأين هم العرب والمسلمون ومن يحكم أميركا الداعمة للإرهاب ؟

5- من هي الدول التي تدفع أثمان هذا الإرهاب غير أوروبا التي تضيق بتدفّق النازحين بثقافاتهم وعاداتهم وأساليبهم المختلفة إليها.

6- ماذا بعد تدمير بلدان جنوبي البحر الأبيض المتوسط؟

7- أليس التطلّع إلى شماله الأوروبي الذي تقوّض وحدته الشيخوخة والأزمات والنازحين ويتطلّع الشاب ماكرون بعيون نابليون إلى بعث النهضة الأوروبيّة المستعارة وشدّ مفاصلها المتراخية؟

ثانياً: في ردّ بابا نويل:

1- سلخ توقيت "إنتفاضة" أصحاب السترات الصفراء عن فرنسا إحدى أوشحتها العلمانية الرائعة المسكونة بتربّص اليمين المتشدّد الباحث عن قصور الكاثوليكية والكنائس/المتاحف حتّى في الإنشغال الرسمي الباذخ بزينة عيد الميلاد وبهجته، والذي غالباً ما تتسابق عواصم العالم في إعلانه قبل حلوله كأفضل مناسبة دينية وسياسية زاهية مع تعاقب 2018 سنة. هذا العام كان مختلفاً لا حكمة بشدّ رباطه بتدفّق اللاجئين إلى أوروبا مع الربيع العربي وتداعياته. كان لا يصدّق أنّ بابا نويل سيهدي لفرنسا هذه الهديّة القويّة بعيد ميلاد المخلّص. ربّما يهديها لماكرون وقد نسي قبل فترة وجيزة من زيارته لغويانا الفرنسية( 27 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2017) إندلاع الشغب في إستقباله بسبب الحرمان والافتقار إلى الرعاية الصحية الاجتماعية في تلك الاراضي النائية، ثمّ اندلعت هناك أعمال شغب أخرى هناك بعدما رفض ماكرون إرسال مساعدات إضافية قائلا:

" أنا لست الأب كريسماس أي بابا نويل."

2- سلخت المظاهرات الفرنسية من الأذهان المشهد الأوّل الجميل الذي أسّس فيه الشاب الفرنسي إيمانويل ماكرون حزبه الخاص"إلى الأمام" ( نيسان 2016)، على صورته الوسطيّة المتماوجة في الليبرالية الإجتماعية والديمقراطية الإشتراكية ، ماسحاً بها علامات الأحزاب العريقة التي أوصلت أميركا إلى درجة وصم أوروبا بالقارة العجوز التي شاعت على الألسن، وشعرت فرنسا وكأنّها وصمة تحدٍّ علقت بها وحدها ولا بدّ من إزالتها. ينضوي تحت هذا الموضوع الملفات التي توسّع الحفرة بين أميركا وأوروبا بمعناها الفرنسي، وخصوصاً في الملف الإيراني والإتفاق النووي الميّت/الحي.

سلخت مشاهد العنف من رأس ماكرون الفترة القياسية التي خرق خلالها كما الصاروخ الحواجز كلّها صعوداً نحو قصر الإيليزيه رئيساً شاباً ثامناً للجمهورية الخامسة الفرنسية( 7 أيّار 2017). وسلخت بذلك مشاهد البهجة العالمية عند إنتخابه على شاشات العالم الفضائيّة، عندما أمر بطي المظلاّت التي كان مرافقوه يلاحقونه بها مع زعماء أوروبا كي لا يبلّلهم المطر. وقفوا تحت المطر رافعين ستراتهم معه، وألتقطوا منتشين صور السلفي التاريخية عبر أجهزتهم المحمولة.

3- يتقلّب الرجل الفرنسي في عرشه المقلق حتماً، وهو عائد من القمة الأوروبية في بروكسل ( 25/11/2018) حيث تفاقم الأعباء الإقتصادية والأزمات الإجتماعية المفتوحة على أوروباً المربكة بأثقالها من مختلف الجهات الداخلية والخارجية. تمّ التصديق على إتّفاق ينظّم خروج بريطانيا من التكتل الأوروبي، لكنّه تكتّل يهتزّ وبحاجة إلى إعادة التأسيس دفعاً للتفكيك والتخطيط غير المرن من بعض الدول الأوروبية وفي رأسها إيطالية للمطالبة بفكّ لحام الوحدة الأوروبية تيمّناً بالخطوة البريطانية التي ما زالت معقّدة. قامت تلك الوحدة على أكتاف الفحم الحجري في معاهدة ماستريخت وهي تترهّل من حرائق جادة الشانزيليزيه.

4- قد يصعب التفريق بين مشاهد العنف المختلطة بالمقدّس منذ عبسة قايين في وجه أخيه هابيل وقتله بحجر. إرتسمت خطوط القنبلة الذريّة الأولى فوق جبين قايين الغاضب حيث ينهض العنف وتظهر قدسيته ويتطوّر ويتهذّب ثم يتراجع وينام عبر المجتمعات والمجموعات.

لكنّه لا يختفي. حذار.

هل نمحو القلق العالمي الذي تركته وتتركه تصريحات الرئيسين الأميركي والروسي النووية؟