Get Adobe Flash player

لا تختلف مقاربة الإدارة الأميركية للوضع في سورية عن المقاربة الحالية التي تتضح معالمها يوماً بعد يوم في ما يخصّ الأزمة الأوكرانية. لا شئ يوحي بوجود تغيّر في استراتيجية البيت الأبيض لإدارة الصراع مع الكرملين على مختلف ساحات المواجهة. فالاستنزاف والاحتواء، في ظلّ رفض التدخل العسكري المباشر والنزوع إلى الصدام على الأرض، هما ما يميزان استراتيجية إدارة أوباما الحالية.

قد يحلو للبعض وصف الموقف الحالي للإدارة واستراتيجيتها بأنه ناتج عن ارتباك، وبالتالي فإن المواقف التي تتخذ في هذه المنطقة أو تلك لا تعدو عن كونها محاولة لإدارة التوازنات الأميركية الداخلية. فهل تجري الأمور بهذه الطريقة؟

في مقابلةٍ له مع شبكة «سي إن إن» التلفزيونية الأميركية قال الرئيس الأميركي باراك أوباما: «ليس من الحكمة الدخول مع روسيا في حرب حقيقية… نظراً إلى حجم الجيش الروسي، فضلاً عن أن أوكرانيا ليست عضواً في حلف الناتو… ردّي على من يعرض علينا القيام بعمل أكبر، أننا نستطيع أن نلحق أذىً كبيراً بروسيا وهذا ما نقوم به حالياً».

من الواضح أن الرئيس الأميركي يرفض الانخراط البرّي في أي جبهة من سورية إلى أوكرانيا، اللتين تشكلان ساحات صراع علنيّ مع روسيا. يريد الرئيس الأميركي الاستنزاف المبرمج، والتدمير الذاتي بديلاً عن أي طرحٍ آخر لم ينجح معارضوه طوال سنوات أربع بفرضه في سورية، ولن يحالفهم النجاح حالياً. الأمر لا يقف عند هذا الحدّ، فما قاله الرئيس الأميركي لشبكة «سي إن إن» التلفزيونية جاء مترافقاً مع تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» يمهّد لسحب الحالة السورية على تلك الأوكرانية، وإن كان الاختلاف في ردّ الفعل الروسي وحتى ردّ حلف الأطلسي ومصالحه، مختلفةً في أوكرانيا عنه في سورية. إذ تحاول الإدارة الأميركية المنقسمة الاستعاضة عن التدخل المباشر بالدعم التسليحي لمقاتلي حكومة كييف. هنا يحضر مثال إصرار واشنطن على المضي قدماً في خطتها لتدريب «المعارضة» المرتبطة بها في سورية. وفي هذا الإطار تقول صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية: «تعتزم الولايات المتحدة تزويد القوات الأوكرانية بأسلحة ووسائل دفاعية، فقد طالب ثمانية من كبار المسؤولين الأميركيين السابقين إدارة أوباما بإرسال أسلحة إلى كييف بقيمة ثلاثة مليارات دولار تتضمن طائرات من دون طيار ووسائل تنصّت وأسلحة مضادة للدبابات». وتشير الصحيفة في تقريرها إلى وجود انقسام داخل الإدارة حول هذا الأمر. ففي الوقت الذي أعلن كلّ من وزير الخارجية جون كيري ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي «انفتاحهما على مناقشة هذا الاقتراح»، فإنّ مستشارة الأمن القومي سوزان رايس «متردّدة» في تقديم هذا النوع من المساعدة. وبحسب الناطقة بِاسم مجلس الأمن القومي الأميركي، فإن «كافة الخيارات على الطاولة» على رغم «التركيز على إيجاد حلٍّ من خلال الوسائل الدبلوماسية». وعند هذه النقطة يظهر جلياً تلويح الإدارة الأميركية بإمكانية تفعيل أوراق القوة الميدانية أو الدخول بشكل مباشر على خط محاولة تغيير موازين القوى على الأرض، في سبيل تفعيل أوراق التفاوض مع موسكو. هذه الأخيرة التي تبدو مستعدة لإدارة اللعبة مع واشنطن في أوكرانيا من دون أيّ محرّمات. وهو ما يفسّره التقدّم النوعي الذي حققته القوات الموالية لموسكو في شرق أوكرانيا. وتوسّع القاعدة الشعبية المؤيدة للكرملين في شرق البلاد، إذ تعترف بذلك صحيفة «لوموند» الفرنسية في أحد تقاريرها من دونيتسك قائلةً: «من قرية إلى قرية، عدد المقاتلين الموالين لروسيا يرتفع في أوكرانيا».

عزل روسيا في شرق أوروبا، واستنزافها ما أمكن، سمتان تميّزان استراتيجية البيت الأبيض في مواجهة الكرملين، وهو ما يؤشر إلى ارتفاع منسوب التوتر الذي سينعكس تصعيداً في ساحات الصراع المتشابكة من كييف إلى دمشق.

(البناء)