Get Adobe Flash player

 

مجدّداً يعود سعر مزيج نفط برنت إلى الارتفاع، من 49 دولاراً للبرميل قبل أسبوعين، إلى أكثر من 56 دولاراً عند كتابة هذه السطور، بفعل المضاربة في الأسواق الآجلة، أي بفعل المراهنة على الاتجاهات المستقبلية لتقلبات السعر المنفصلة عن العرض والطلب المباشرين للنفط، بمعنى أن من يشتري العقد الآجل لا ينوي في الأعم الأغلب تسلّم أو تسليم برميل النفط الذي اشتراه أو باعه، إذ يبيع العقد في البورصة قبل حلول موعد الوفاء به. وكانت سيطرة رأس المال المالي على رأس المال الحقيقي أو المادي، المتجسد في المنشآت الإنتاجية الحقيقية مثل المصانع والمزارع وغيرها، ما دفع العالِم الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز إلى الكتابة عام 1936: «عندما يصبح التطور الرأسمالي لبلدٍ ما إنتاجاً فرعياً لنشاطات كازينو، فمن المرجح أن تنفذ المهمة على نحو رديء». لكننا لا نتحدث هنا عن التطور الرأسمالي لبلد واحد، بل عن سعر النفط والطاقة، أي عن العلاقات الدولية والتوازنات الجيو ـ سياسية في الساحات الإقليمية.

رب قائلٍ إن رأس المال المالي الذي يتلاعب بسعر النفط وغيره في الأسواق الآجلة إنما يبيع ويشتري بدافع الربح، لا بدافع سياسي أو استراتيجي أو شخصي، وهي المقولة التي تلقَن لطلاب الاقتصاد والمالية منذ السنة الجامعية الأولى. غير أن ما قد يصح عند تناول المضارِب بالعقود الآجلة كفرد لا يمكن أن يصح لدى تناوله كفئة اجتماعية مدركة لذاتها ولمصالحها على نحو ما تتجسد في تنظيماتها ومؤتمراتها العديدة مثل منتدى دافوس مثلاً، ناهيك عن العلاقة العضوية بين تلك الفئة والدولة العميقة في بلدان الـG-7. وإذا كان بعض النواب في الكونغرس الأميركي طالبوا بالتحقيق في دور المضاربين في رفع أسعار النفط عندما كانت على ارتفاع، من دون نتائج تذكر، فإن مجلات المال والأعمال الأميركية تحفل اليوم بمطالبات تهكمية لأولئك النواب بأن يعتذروا ويقدموا الشكر إلى المضاربين الذين ساهموا في الفترة الأخيرة في خفض سعر النفط، في أعداد مجلة «بيزنس ويك» مثلاً. والخلاف يبقى فحسب على ما إذا كان المضاربون ساهموا في انهيار سعر النفط الذي قد يكون انهار بسبب عوامل أخرى، بالإضافة إلى المضاربة بالعقود الآجلة…

ليس الحديث هنا عن التذبذب قصير المدى في السعر. ارتفعت أسعار النفط قليلاً في الأيام الأخيرة بسبب نشر بيانات تظهر انخفاض مشاريع حفر الآبار في الولايات المتحدة، ما يوحي انخفاض العرض، وانخفضت بسبب بيانات أخرى من الصين تظهر أن مشتريات مديري المصانع من المواد الخام والسلع الوسيطة انخفضت، ما يوحي انخفاض الطلب الصيني على النفط. يدور الحديث في الواقع عن العوامل التي تسببت بالانهيار العظيم في سعر النفط، بمستوى 60 في المئة، خلال الأشهر الأخيرة. ولعل أحد هذه العوامل، التي لا يمكن لأحد أن يزعم أنها منفصلة تماماً عن القرار السياسي، هي قرار الاحتياطي الفدرالي، أي البنك المركزي الأميركي، الشروع في رفع أسعار الفائدة.

نظرياً، يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية إلى جعل العائد على الإيداعات بالدولار أكبر من العائد على الإيداعات بالعملات الأخرى، ما يتسبّب بالهجرة نحو الدولار الأميركي، فيزداد الطلب عليه، ويؤدي إلى رفع سعره إزاء العملات الأخرى، مع بقاء العوامل الأخرى ثابتة، فما بالك إذا كان متوقعاً أن تقوم البنوك المركزية الأوروبية واليابانية بخفض سعر الفائدة لديها لمحاربة الركود الاقتصادية؟!

حصل ارتفاع الدولار بسبب انخفاض أسعار الفائدة في أوروبا واليابان أولاً مقارنة بأميركا، ثم بسبب انخفاض العجز في الحساب الجاري الأميركي بسبب انخفاض مشتريات النفط من الخارج. ثم كان الإعلان عن نية رفع أسعار الفائدة الأميركية بذريعة انتهاء آثار الأزمة المالية الدولية عام 2008 ونشوء خطر التضخم، مع أن أرقام الفصل الرابع من العام 2014 أشارت إلى أن الاقتصاد الأميركي لم ينمُ أكثر من 2،6 في المئة، وهي نسبة نمو لا تعتبر مرتفعة، ولا تدعو إلى الخوف من التضخم. وقد دفعت الأرقام الأخيرة الاحتياطي الفدرالي إلى التريّث في رفع الفائدة في اجتماعه الأخير، لكن التوقع نفسه دفع إلى المضاربة على الدولار في الأسواق الآجلة، ما ساهم في ارتفاع الدولار، فالبورصة تحركها المضاربة على التوقعات.

هذا ما حدث في الفترة الأخيرة، إذ ارتفع الدولار من 1،39 مقابل اليورو في 6 أيار 2014 إلى 1،11 دولار مقابل اليورو في 25 كانون الثاني 2015، أي أننا بتنا نحتاج إلى كمية أقل من الدولارات لشراء الكمية نفسها من اليورو، فالرقم الأقل يدل على ازدياد القوة الشرائية للدولار. وعاد الدولار إلى الانخفاض قليلاً بعد 25 كانون الثاني من العام الجاري، ليصل إلى 1،14 مقابل اليورو. كذلك انخفضت عدة عملات دولية مقابل الدولار، منها الدولار الكندي والين الياباني والجنيه الاسترليني، وكان الخاسر الأكبر في هذه العملية الروبل الروسي، والرابح الأكبر… الشيكل!

ما يهمنا هنا هو الرابط العضوي بين سعر النفط وسعر الدولار، فالنفط يسعّر بالدولار، والكثير من السلع الدولية الأخرى، وبالتالي يؤدي ازدياد القوة الشرائية للدولار إلى انخفاض سعر برميل النفط بالدولار، وليس بالضرورة إلى انخفاضه بالعملات الأخرى التي تضعف أمام الدولار، كاليورو مثلاً. في المقابل، يؤدي انخفاض سعر الدولار، مع بقاء العوامل الأخرى ثابتة، إلى ارتفاع سعر برميل النفط بالدولار، وليس بالضرورة بالعملات الأخرى التي ترتفع مقابل الدولار. ولذلك ليس غريباً أن يعود الدولار الآن إلى الانخفاض في حين يعود برميل النفط إلى الارتفاع. فهل سيعود الدولار إلى الانخفاض، والنفط إلى الارتفاع، على المدى الطويل؟ ليس هذا موضوعنا اليوم، بل إبراز العلاقة العكسية بين سعر النفط وسعر الدولار الذي يتحكم فيه الاحتياطي الفدرالي الأميركي، والأخير، كأعلى سلطة اقتصادية في الولايات المتحدة، لا يمكن أن يكون بعيداً عن الاعتبارات السياسية.

(البناء)