لم يكن التوضيح الثاني الذي أصدرته الأمانة العامة لمجلس الوزراء في شأن التمديد للبواخر التركية في 2/7/2018 كافياً لتثبيت مبدأ مجانية الباخرة التركية الثالثة. في قرار مؤسسة كهرباء لبنان تثبيت لأمر آخر: ما إن ترسو الباخرة في ميناء الجية، لن تكون مضطرة للمغادرة بعد انتهاء الأشهر الثلاثة. فالتمديد لها متاح ولا يحتاج إلا إلى «الموافقات المطلوبة »

إذا سارت الأمور كما هو مخطط لها، يُفترض أن ترسو الباخرة التركية المجانية عند الشاطئ اللبناني، في 25 تموز المقبل، حيث يتوقع أن تُربَط بموقع الجية. إلى ذلك الحين، يبدو أن كل الترتيبات قد أنجزت من قبل وزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان.

ذلك لا يعني أن الالتباس المرتبط بقرار مجلس الوزراء في 21 أيار 2018 قد زال. هو على الأرجح زاد تعقيداً، بما يثبت نظرية «الطُعم»، الذي جعل الحكومة توافق على التمديد للباخرتين الحاليتين ثلاث سنوات وليس سنة واحدة، على ما كان قرر في جلسة سابقاً، طمعاً بتخفيض الأسعار وتحت إغراء الباخرة الثالثة المجانية.

وكان لافتاً أن مجلس الوزراء لم يكلف وزير الطاقة سيزار أبي خليل التوقيع على العقد، إنما أوكل إليه تكليف مؤسسة كهرباء لبنان بالتفاوض وتوقيع العقد، على رغم انتهاء ولاية مجلس إدارتها واستمراره فقط بحكم تسيير المرفق العام، وعلى رغم أن العقد الأساسي للبواخر الموقع عام 2012، والممدد خلال عام 2016، وُقّع من قبل وزير الطاقة.

هل يهدف القرار الوزاري إلى تجاوز إشكالية تصريف الأعمال فقط، أم يهدف إلى إعفاء الوزير من المسؤولية عن النتائج السلبية، القانونية والمالية، التي يمكن أن تترتب عن التفاوض والصيغة النهائية للعقد ونتائج تنفيذه، وتحميلها إلى مجلس إدارة «كهرباء لبنان» العاجز، أصلاً، عن القيام بأعباء مهامه العادية؟

تجنباً للاحتمال الثاني، أعاد مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان، في قراره الصادر في 12/6/2018 رمي كرة المسؤولية إلى ملعب مجلس الوزراء، بإشارته في البند الأول من القرار إلى تنفيذ القرار الحكومي «على عاتق ومسؤولية مجلس الوزراء».

مهما كانت الغاية، إلا أن الكتاب رقم 6308/و، الموجه من وزير الطاقة إلى مدير عام المؤسسة بتاريخ 12/6/2018، يؤكد أن الوزير هو الذي أجرى المفاوضات مع الشركة، بخلاف ما ينص عليه قرار المجلس، إذ يشير الكتاب إلى توصل الوزير إلى «سعر نهائي» بلغ 4،90 بدلاً من 4،95 سنت للكيلووات، المحدد في موافقة مجلس الوزراء.

قرار مجلس الوزراء الصادر في 21/5/208، كان قد أشار أيضاً إلى «قبول إضافة باخرة ثالثة بحد أدنى 200 ميغاواط «بدءاً من صيف 2018 على أن تكون مجاناً لأول ثلاثة أشهر» (عدلت الصيغة في 8/6/2018 فاستبدلت عبارة مجاناً لأول ثلاثة أشهر بعبارة لمدة ثلاثة أشهر). بعد ذلك، اتخذ مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان، بتاريخ 12/6/2018، القرار رقــم 307-27/2018، الذي يفترض أن ينفذ بموجبه قرار مجلس الوزراء.

   «كهرباء لبنان» تخالف شرط مجلس الوزراء.. وتلتزم بشرط «كارادينيز»!

قد يكون هذا السياق عادياً، لو لم تظهر صيغة ثانية للتصحيح الصادر عن رئاسة الوزراء (كتاب الأمانة العامة لمجلس الوزراء رقم 1523 / م ص تاريخ 2/7/2018)، أي في وقت لاحق لقرار مجلس إدارة كهرباء لبنان المذكور. وهذا يعني عملياً أن القرار لم يُبنَ على قرار مجلس الوزراء في صيغته الأخيرة، والمبلّغة هذه المرة إلى وزير الطاقة والمياه، بل على قرار أعيد تصحيحه. لكن مع ذلك، وحتى بالاعتماد على التصحيح الأول فقط، يتبين أن قرار «كهرباء لبنان» خالف قرار مجلس الوزراء في بندين أساسيين:

الأول، يتعلق بإلغاء إمكانية فسخ العقد بعد سنتين، فبالعودة إلى الفقرة الأخيرة من قرار مجلس الوزراء رقم 84 تاريخ 21/5/2018، يتبين أنها تشترط للتمديد للبواخر أن يكون بإمكان الدولة فسخ عقد التمديد بعد انقضاء سنتين منه، إلا أن قرار مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان جاء مخالفاً لهذا البند. وقد تم تبرير هذا التجاوز بإصرار شركة Karpowership، على إضافة شرط يربط إمكان عدم التمديد للسنة الثالثة، بأن لا تكون هناك مبالغ غير مسددة أو مستحقة للشركة بتاريخ التبليغ، وهو أمر غير ممكن عملياً، لأن التشغيل مستمر، والدفع مرتبط بما تنتجه الباخرة من طاقة، ما يعيق إمكان الدفع سلفاً.

أما المخالفة الثانية، والأخطر، فتتعلق بقبول الباخرة الثالثة لمدة يمكن أن تتجاوز الأشهر المجانية الثلاثة، إذ يشير القرار في البند الثالث منه إلى «الموافقة على استجرار (وليس «قبول عرض الشركة بتقديم»، كما ورد في قرار مجلس الوزراء) طاقة إضافية عبر استقدام باخرة ثالثة بحد أدنى 200 ميغاواط بدءاً من صيف 2018، على أن تكون مجاناً لمدة ثلاثة أشهر». وهو ما يعني بوضوح أن فترة الثلاثة أشهر المجانية هي ليست سوى جزء من مدة مجهولة تبدأ في فصل الصيف. ولكي لا تترك المؤسسة مجالاً للشك بإمكان بقاء الباخرة الثالثة، تزيد على ما سبق ما حرفيته: «علماً أن أي تمديد لذلك (مدة الثلاثة أشهر) وشروط هذا التمديد يتطلب الحصول على الموافقات المطلوبة». هذا يعني ببساطة أن المدماك الأول لتثبيت الباخرة الثالثة كأمر واقع قد وضعت، من دون تحديد طاقتها (حد أدنى 200 ميغاواط)، ومن دون الحاجة لإجراء أي مناقصة.

(الاخبار)