أكدت المواجهات التي عمّت المدن المصرية في الذكرى الرابعة لـ25 كانون الثاني، أنّ تحديات صعبة تواجه مصر، وأنّ انتصار ثورة 30 حزيران انتصاراً نهائياً وعودة الأمن والاستقرار إلى كلّ أرض الكنانة أمر بعيد المنال، ودونه الكثير من التحديات والمخاطر، ومن أبرز هذه التحديات والمخاطر ثلاثة…

ـ الأول الصراع المسلح الدائر في سيناء بين قوات الأمن المصرية، وبين التنظيمات التكفيرية المنتمية إلى تنظيم «القاعدة»، سواء تنظيم «داعش»، أو جماعة «بيت المقدس»، التي لا تزال تتبع أيمن الظواهري.

ـ الثاني، الاضطرابات السياسية والأمنية التي تغطي مساحة مصر بكاملها في ضوء قدرة تحالف جماعة «الإخوان المسلمين» على حشد الآلاف وإنزالهم إلى الشوارع وخوض اشتباكات مع الأجهزة الأمنية، الأمر الذي قاد ويقود إلى سقوط قتلى وجرحى يومياً بلغ عددهم في 25 الجاري أكثر من 23 قتيلاً، إضافةً إلى ما يترتب على ذلك من ارتباك في الحياة العامة والنشاط الاقتصادي.

ـ الثالث، تدهور الأوضاع الاقتصادية والذي عبّر عنه تراجع سعر صرف الجنيه، إضافةً إلى فقدان الكثير من السلع الحيوية.

وواضح أنّ الرهان الذي كان معقوداً على 30 حزيران من قبل عامة المصريين لم يتحقق، وذلك لا يعود فقط إلى إصرار جماعة «الإخوان المسلمين» وحلفائها على تحدّي السلطة الجديدة وحسب، بل إنّ هذه السلطة وفرت بيئة تغذي «الإخوان» وحلفاءهم بالمزيد من المناصرين، تجلى ذلك أولاً، في غياب أي رؤية اقتصادية لدى النظام الجديد لحلّ المشكلات الكثيرة التي تعاني منها غالبية الشعب المصري، واعتماده على أموال الدعم الخارجي، ولا سيما الدعم الخليجي, ومعروف أنّ هذا الدعم مشروط بشروط سياسية تكبّل القيادة المصرية، وتحدّ من حرية خياراتها المستقلة، وتجلى ثانياً، في سياسة محاباة رموز النظام القديم, ولا سيما الرئيس المصري الأسبق وأنجاله الذين تمّت تبرئتهم من كلّ الممارسات التي وقعت في عهد مبارك.

وواضح أنّ هذا النهج السياسي الذي اعتمد من قبل السلطة الجديدة وفر لجماعة «الإخوان المسلمين» أسلحة تمكنها من توجيه الاتهام إلى النظام الحالي بأنه امتداد لنظام حسني مبارك, وأنه انقلب على ثورة 25 كانون الثاني، وتزامن الإفراج عن أنجال الرئيس مبارك مع مرور ذكرى أربع سنوات على ثورة 25 كانون الثاني أضفى الكثير من المصداقية على اتهامات جماعة «الإخوان» وحلفائها, وهذا الأمر هو الذي يفسّر المشاركة الواسعة نسبياً في إحياء الذكرى الرابعة للثورة، وحدة الصدامات التي دارت بين القوى الأمنية وبين المتظاهرين، والتي وصلت إلى حدّ الاستعانة بالجيش في منطقة المطرية، للسيطرة على الموقف، حيث لم يعد في مقدور الشرطة وقوات الأمن المركزي وحدها منع الحشود من السيطرة على المنطقة، الأمر الذي يهدّد بولادة ميدان تحرير جديد لولا تدخل الجيش لمؤازرة الأجهزة الأخرى.

واضح أنّ مصر دخلت في حلقة مفرغة: ممارسة الحكم الجديد تغذي جماعة «الإخوان» وحلفاءها وتزيد حالة الحذر من النظام القائم, وممارسات جماعة «الإخوان» العنيفة تزيد التفاف شرائح من الشعب المصري حول النظام، ويؤدّي هذا الانقسام إلى دينامية جديدة تهدّد استقرار مصر لفترة طويلة وتفتح أبوابها أمام احتمالات خطيرة.

(البناء)