Get Adobe Flash player

 

رغم تركيزه على حيثية تجميد القتال في حلب، لكن المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا بات يروّج لـ «خريطة طريق» واضحة المعالم: حل وفق النموذج اللبناني، مع مراكز سلطة يمثّل فيها الجميع، يبدأ بتوافق سياسي عريض يقود إلى حكومة وحدة وطنية، تنجز تعديلات دستورية وتجري انتخابات عامة.

وفق هذه الرؤية، بات المبعوث الدولي يجسد التلاقي الأميركي ـــ الروسي على ترك مستقبل الرئيس السوري بشار الأسد لهذه الانتخابات، على أن يكون حاضراً في مراحل العملية السياسية التي ستقود إليها.

هذه الخلاصة جاءت من استعراض شامل لمشهد الأزمة السورية، قدمه دي ميستورا أمام لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي في بروكسل أمس.

بالنسبة لخطوات المدى القصير، تحدث دي ميستورا عن مؤتمر موسكو، الذي جمع ممثلين عن المعارضة والنظام، بوصفه يمثل «فرصة ضائعة بطريقة ما». وعرّج على غياب شخصيات بارزة في المعارضة، موجهاً اللوم في ذلك، ضمنياً، الى الحكومة السورية. وقال إن حضوراً معتبراً لقادة في المعارضة كان أمراً وارداً «لو كان لدينا تجميد للقتال في حلب، قدمته الحكومة قبل موسكو»، مضيفاً انهم «كانوا ليشعروا أن هناك بناءً للثقة تقدمه الحكومة».

مع ذلك، تحدث المبعوث الدولي عن انعقاد مؤتمر موسكو بوصفه «خطوة مثيرة للاهتمام ومفيدة في الاتجاه الصحيح، وعلينا الاستفادة منها». إحدى أبرز نواحي الايجابية التي رآها هي «الوظيفة المهمة» التي لعبتها روسيا، عبر تمكنها من إجلاس ممثلي النظام السوري حول طاولة المفاوضات. واعتبر أن هناك حاجة «لنبدأ في نقاش السؤال الصعب حول ما الذي تعنيه حكومة وحدة سياسية، من دون شروط مسبقة، لكن أن تشمل الجميع».

في المجمل، لفت إلى أن الحصيلة تبقى إيجابية لأن «هناك 11 نقطة خرجت منه، بعضها يمكن نقاشه، وبعضها شبيه جداً بما ورد في إعلان جنيف»، قبل أن يبين أن «أي زخم أفضل من الجمود السلبي القاتل».

ورغم أن التقرير الافتتاحي الذي قدمه دي ميستورا كان مقتضباً وحذراً للغاية، لكن أسئلة النواب الأوروبيين جعلت لسانه ينطلق. ودار العديد من الأسئلة حول مستقبل الرئيس السوري. أجوبة المبعوث الدولي أظهرت أنه بات أقرب إلى ترتيب الحل كما قدمته روسيا قبل أكثر من سنة: الاتفاق على كيفية بناء سوريا الجديدة، أما الأدوار الشخصية فآخر المطاف.

هذه الرؤية تعكس أيضا ما رسا عليه الأميركيون في الآونة الأخيرة، لكون مهمة المبعوث الدولي لا يمكن أن تعمل من دون هذا المحرك الثنائي الدفع.

قال لمن سأله إن مستقبل الأسد «متروك للشعب السوري»، لكنه لفت إلى أن «الأسد يمثل 50 في المئة من السكان، أو على الأقل يسيطر عليهم، والأسد يحكم 50 في المئة من البلد، وهذا عامل مهم للغاية لا يمكننا تجاهله».

أما تسلسل الحل، وفق تقديمه، فهو الوصول إلى حكومة وحدة، شاملة التمثيل، تقود إلى تغيير دستوري، ومن ثم إجراء انتخابات عامة. لم يذكر ولا مرة قضية «هيئة الحكم الانتقالية»، التي تحدث عنها جنيف، مكتفياً بالحديث عن «حكومة وحدة». كل تلك المحطات برأيه هي «عملية يجب أن يكون الجميع جزءاً منها»، بمن فيهم الأسد. بعد ذلك يصل دي ميستورا إلى ما بدا أنه التحفظ الذي يمكن أن ترسو عنده الحلول، ومنها اعتبارات مستقبل الأسد، وهو أن الحصيلة «يجب أن تقود إلى وضع سياسي، وخصوصا سوريا مستقرة تشمل الجميع».

أما من تحدث عن إمكانية «الثقة بالأسد إذا كانت هناك مباحثات»، فرد عليه دي ميستورا بالقول «المشكلة الأكبر هي أن لا أحد لديه ثقة بأي أحد»، قبل أن يضيف «آمل أنه يمكننا عقد مباحثات حول أن هذا الصراع لا يمكن أن يربحه أحد، لا الأسد ولا المعارضة».

لكن كثرة التفاصيل لا تجعل البوصلة ضائعة بالنسبة للوسيط الدولي المخضرم. الأفق الذي قدمه للحل هو النموذج اللبناني. هناك في هذا النموذج برأيه ما يستحق المديح، إذ قال لنواب أوروبا «انظروا إلى لبنان، إنه موزاييك مدهش، مع قدرة معتبرة على النجاة، رغم حقيقة وجود مجتمعات مختلفة من الموارنة وصولا إلى حزب الله». وبناءً على ذلك، شدد على أن المطلوب من المجتمع الدولي هو إجلاس أطراف الأزمة السورية حول طاولة التفاوض، وتركهم يعملون «لإيجاد حل سوري، على الأرجح على غرار النموذج اللبناني».

أما كي يصل السوريون إلى «الحل اللبناني»، وفق قوله، فيجب على مختلف اللاعبين الدوليين «تركهم وشأنهم»، لافتا تحديداً إلى ضرورة التوقف عن «الدفع إلى حسم عسكري». أما القلقون من إمكانية نجاح ذلك، فيقول لهم دي ميستورا «علينا عدم التقليل من شأن قدرة السوريين» على الوصول لاتفاق بين بعضهم البعض.

لكن المبعوث الدولي لا يدعو اللاعبين الدوليين إلى التزام هذا النهج فقط لمصلحة السوريين. حذّر بوضوح من أنه في حال عدم إيجاد «الحل السوري»، فإن البديل سيكون «فوضى في المنطقة، من لبنان إلى تركيا إلى الأردن، وانهيار سوريا، وفوق ذلك حضور داعش على شواطئ المتوسط».

إحدى القضايا التي تساءل حولها الكثيرون هو أين دور إيران، وهل من حاجة ملحة له؟ جواب المبعوث الدولي كان واضحا: «إيران مهمة جدا، تأثيرها واضح، وحضورها واضح». هنا يلفت تحديدا إلى دور «حزب الله»، مشيراً إلى أن حضوره في الحرب السورية «أدى إلى تغيير كبير في القتال»، وموضحاً أنه «قبل بعض الأشهر كانت الضغوط لمصلحة المعارضة التي بدا أنها تربح، لكن حصل تحول كبير على الأرض... نظرا للتدخل الثقيل من حزب الله».

وفق هذه الوقائع، يقول دي ميستورا إن أهمية مشاركة إيران في رعاية الحل السوري أمر «لا جدال فيه»، تماما كما هي الحال مع السعودية وتركيا، وصولا إلى روسيا وأميركا، لأنه بغير ذلك «ليس هناك حل».

كل هذا يأخذ بالطبع إلى السؤال عن مستجدات المهمة التي يقودها، تلك «المهمة المستحيلة» كما سماها، مشددا على أنه لا يمكن الاستسلام أمام مشقاتها. لكن الحديث في الجديد ظهر في صيغة تلميحات أكثر منها مفاصل واضحة. خلاصة كلامه أن الأمر لا يزال يراوح أمام «شروط مسبقة»، تريد دمشق تنفيذها قبل موافقتها على تجميد القتال في حلب. وقال «هذه شروط تبقى صالحة: لا مقاتلون، لا إرهابيون، تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، في النهاية سوريا يجب أن تبقى موحدة، لكن كل هذا يجب ألا يكون شروطاً مسبقة لإيقاف القتال واستخدام الأسلحة الثقيلة في حلب»، معتبرا أن تلك النقاط تبقى «نتائج نهائية ستقود في نهاية المطاف إلى ما نتفق عليه جميعا».

أما عن خلاصة المباحثات الجارية مع دمشق في هذا الشأن، فلخصها بالقول «لا نزال نناقش، نتفاوض»، مضيفا «لا أحد قال إن الأمر سيكون سهلا، لا أحد توقع أن تتخلى الحكومة السورية بسهولة عن بعض النقاط التي وضعتها، لكننا مستمرون ولن نستسلم».

قبل كل ذلك وبعده، هناك مبادئ أساسية يرى دي ميستورا أن الاجتماع عليها متحقق. ويقول «مهما حصل في سوريا، فإن المؤسسات، بما فيها الجيش، يجب حمايتها والحفاظ عليها، وذلك كي نضمن أنه لن يكون هناك انهيار بالطريقة التي رأيناها في العراق، وبالطريقة الأسوأ التي رأيناها في ليبيا». ويقول «الجميع يكررون أمامي: أرجوك دعنا نحاول كل شيء لتفادي الوصول إلى وضع مثل ليبيا»، مضيفا «الجميع بات يعترف بأن الخطأ الأكبر في العراق كان تفكيك المؤسسات، بعض الذين يقودون داعش اليوم هم عسكريون سابقون من الحرس الجمهوري العراقي».

في النهاية يأمل دي ميستورا تحقيق جمع للمصالح الدولية، كما حصل في عين العرب (كوباني)، بما يقود إلى تجميد القتال في حلب والبناء عليه صعوداً إلى حل سياسي. حضور امتداد «داعش»، على كل سوئه، يراه لحظة لتنبيه الجميع إلى مصلحة مشتركة يجسدها قتال التنظيم الإرهابي. كان حريصا على أن يحمل معه خريطة، فتحها أمام محاوريه ليعرض عليه الامتداد الشاسع لـ «دولة داعش». ويشدد على أن التجميد في حلب سيعني إنقاذ طريدة تترصدها عيون التنظيم، معتبراً، في وصف معبّر، أن «داعش ينتظر الآن مثل طير كبير، يتحين الوقت المناسب للانقضاض».

(السفير)