عظّمت الصحافة الغربية، خصوصاً الأميركية والبريطانية، من شأن الإعلان الصادر في السابع والعشرين من الشهر الماضي، والخاص بدحر تنظيم «داعش» الإرهابي عن مدينة عين العرب السورية، وسيطرة ما يسمى «قوات حماية الشعب الكردي على 90 في المئة من المدينة السورية»، وذلك بعد قتال دام أربعة أشهر ونصف الشهر، وبإسناد جوّي كثيف من طائرات تحالف أوباما، بلغت نسبته 75 في المئة من مجمل الغارات التي شنّتها الطائرات الغربية على سورية منذ أيلول الماضي.

الانتصار بحسب التوصيف الغربي، انتصار ذو بعدين: استراتيجي ورمزي، الثاني خاص بالصورة المرسومة لعين العرب في البروباغندا التي رافقت انطلاق العمليات الحربية لتحالف أوباما في سورية، أما الاستراتيجي فإنه يتعلق بتقليص المساحة التي يسيطر عليها «داعش» على الحدود التركية ـ السورية بمقدار مئة كيلومتر، مع ما يعنيه ذلك من حرمان التنظيم من أحد ممرات مقاتليه الأجانب من الحدود التركية، التي تعتبر البوابة الرئيسة لآلات القتل إلى سورية. إضافةً إلى حرمان التنظيم من أحد معابر تهريب النفط. فهل هذه الاستنتاجات صحيحة، وهل خسر «داعش» المعركة؟

الواضح أن «داعش» أخفق في عين العرب، لكنه لم يهزم نهائياً في المدينة وصولاً إلى محيطها، وبهذا المعنى فإن ما جرى مع التنظيم الإرهابي في المدينة السورية فشلٌ لا هزيمة. البيان الصادر حول توصيف الوضع الميداني في المدينة يعترف بالسيطرة على «90 في المئة» من المدينة المدمّرة بشكل شبه كامل، وبالتالي ما زال «داعش» يحتفظ بمناطق حدودية واسعة في شرق مدينة عين العرب وغربها، وفي محيط مدينتي جرابلس وتل أبيض، أمرٌ يسمح للتنظيم الإرهابي بالسيطرة النارية على الطريق الجنوبية ـ الغربية لمدينة عين العرب، والتي تربط معقل التنظيم في شمال الرقة المحتلة بمدينة حلب. إذ يحاول الجيش السوري توسيع سيطرته الميدانية في العاصمة الثانية للبلاد، فضلاً عن سيطرة التنظيم الإرهابي على شرق البلاد ومحور الفرات الممتد من مدينة دير الزور السورية إلى الموصل العراقية، من دون أن نغفل محاولات التنظيم الاستفادة من الاشتباكات المستجدة بين الجيش السوري ووحدات حماية الشعب الكردي في مدينتَي الحسكة وبعض أجزاء مدينة القامشلي. جملةٌ من ألأمور تضعنا أمام واقع يتّسم بالتالي:

ـ «داعش» ما زال يتمتع بقوة في المناطق المحيطة بعين العرب، كما في شرق سورية، والمعركة لا تزال في بدايتها.

ـ ما جرى في عين العرب ليس انتصاراً كما يريد تحالف أوباما تصويره، بل هو خطوة غير مكتملة في الصراع مع التنظيم الإرهابي. هنا تنقل صحيفة «لوموند» الفرنسية عن آرتور كيسناي، الباحث في المعهد الفرنسي لدراسات الشرق الأدنى قوله: «من الصعوبة في مكان اعتبار ما جرى مع داعش في عين العرب بمثابة هزيمة».

ـ الفترة الزمنية التي احتاجتها عين العرب لكي تتحرّر من «داعش»، وقدرة التنظيم الإرهابي على مواجهة الكرد وطائرات تحالف أوباما، مؤشران على عدم تأثر دعم التنظيم لوجيستياً، سواء من معاقله في دير الزور والرقة، أو من الحدود التركية التي تعتبر بوابة الإرهابيين الأجانب إلى سورية.

(البناء)