Get Adobe Flash player

 

قبل ايام قليلة من عملية الثأر لشهداء القنيطرة حرصت الحكومة الاسرائيلية ان تبعث برسائل الى الامم المتحدة والعديد من الدول المؤثرة تفيد فيها انها اتخذت احتياطات امنية وعسكرية عالية الدرجة وتحشد مئات الدبابات على الحدود الشمالية، في محاولة لعرض العضلات وزيادة العمل الاحترازي تحسبا لاي رد فعل ممكن من «حزب الله».

ويبدو ان رئيس حكومة العدو نتنياهو الذي حاول استغلال جريمته لرفع رصيده الانتخابي، كان يعتقد ان الحزب «محشور» في مواجهة القوى المتطرفة التكفيرية ولا يستطيع ان يرد على العدوان الاسرائيلي لا في لبنان ولا في الجولان، وبالتالي يستطيع هو ان يحتفظ بالنقاط التي حققها لاستخدامها لصالحه في الانتخابات الاسرائيلية المقبلة.

وتقول مصادر ديبلوماسية نقلا عن تقارير من داخل الكيان الاسرائيلي انه جرى نوع من التجاذب والخلافات في الرأي وتقويم الموقف بين المسؤولين الاسرائيليين على المستويين السياسي والعسكري، وان البعض قلل من فرصة ونسبة نجاح حزب الله في الرد الفوري، بينما رأى البعض الاخر ان كل شيء وارد معه ويجب اتخاذ كل الاحتياطات الممكنة لتفويت الفرصة عليه.

وبغض النظر عن هذه التباينات. فقد وضعت القوات الاسرائيلية في اعلى درجات الاستنفار واتخذت السفارات الاسرائيلية في الخارج اجراءات اضافية تحسبا لاي عمل او ردة فعل.

ورغم كل هذا الاستنفار والتحسب جاءت عملية الثأر لشهداء القنيطرة سريعة وغير متوقعة على كل المستويات، وشكلت صدمة حقيقية للعدو على اعلى المستويات بل انها فاجأت دوائر الدول الحليفة لا سيما الولايات المتحدة.

غير ان العامل المهم في هذه المفاجأة ليس في العملية على المستوى العسكري والامني فحسب بل ايضا على مستوى تحديد المكان الذي جاء مدروسا بعناية كبيرة. وهذا ما حصل في الاوساط المراقبة تقول ان الدراسة الامنية لتنفيذ هذا الرد هي شكلت العنصر الاساسي في نجاحها على كل المستويات.

ولعل ابلغ توصيف مقتضب لها ما ينقله الزوار عن الرئيس بري وقوله ان العملية جاءت «مدروسة ونظيفة ومحكمة» بحيث انها تضمنت عامل المفاجأة من ناحية رغم كل الاجراءات الاحترازية الاسرائيلية، وكذلك من ناحية اختيار المكان الذي هو داخل مزارع شبعا اللبنانية ولا يشكل اي خرق للقرار 1701.

ويضيف «لقد سمعت البعض يتحدث عن خرق للقرار المذكور وهذا غير صحيح على الاطلاق، دلوني اين هو هذا الخرق المزعوم، واعود واقول كما عبرت امام النواب في لقاء الاربعاء الماضي ان العملية حصلت في اراض لبنانية محتلة وفي منطقة لا يسرى عليها هذا القرار.

وحول مسألة خرق القرار 1701 يقول الرئيس بري ان اسرائيل هي التي خرقت وتخرق هذا القرار مرارا اكان عبر الجو او عبر العمليات العدوانية التي قامت بها ومنها عملية التفجير التي جرت في عدلون وغيرها وغيرها. ثم ان اسرائيل حاولت منذ البداية خرق قواعد الاشتباك خصوصا ان القرار المذكور لم يتضمن قرار وقف النار الذي كان يفترض ان يحل محل عبارة وقف العمليات الحربية بعد اسبوع واسبوعين من صدوره.

ماذا حصل بعد عملية حزب الله؟ تقول المعلومات ان الاخبار التي اخذت ترد بعد العملية تضمنت عناصر مقلقة تنذر بتوسع الانفجار ومنها الكلام عن اسر احد الجنود ومقتل عدد من كبار قادة وجنود جيش العدو وحصول غارات اسرائيلية وغيرها من الشائعات، بالاضافة الى صدور البيان رقم واحد للحزب والذي اوصى باحتمال حصول تطورات لاحقة.

وبعد وقت قصير تسارعت الاتصالات والمشاورات على ارفع مستوى وشهد مكتب الرئيس بري اتصالات عديدة شملت رئيس الحكومة تمام سلام وقيادة قوات «اليونيفيل» والامم المتحدة لا بل ان الدبلوماسية الاميركية تحركت ايضا على ضوء المعطيات التي توافرت لديها للتعامل مع هذا التطور.

ولم يمض وقت حتى اخذت الامور تميل الى التهدئة خصوصا ان اختيار مكان العملية اسقط الحجج الاسرائيلية الممكنة لتغطية اي رد ممكن، عدا عن الارباك الذي وقعت فيه القيادتين السياسية والعسكرية للعدو.

ووفقاً للمعلومات فان الحكومة الاسرائيلية ابلغت قيادة قوات «اليونيفيل» في الجنوب رسالة مفادها «لن نلجأ الى التصعيد اذا لم يحصل تصعيد من الجانب الآخر»، فسارعت الأخيرة الى نقل الرسالة الى الحكومة اللبنانية بواسطة قيادة الجيش اللبناني، مع الاشارة ايضاً الى أن الاسرائيليين الحقوا رسالتهم هذه بملاحظة وهي ان تنفيذ هذا الالتزام على الارض يحتاج الى حوالى عشرين دقيقة، وهو ما فسر توقف القصف الاسرائىلي على بعض المناطق والقرى الحدودية بعض نصف ساعة من الرسالة.

وحسب المعلومات ايضاً فان لبنان استند في اتصالاته مع الامم المتحدة وبعض الدول لا سيما الولايات المتحدة الى ان العملية حصلت في مزارع شبعا المحتلة ولا تشكل خرقاً للقرار 1701، وقد جرى تلقف هذه الوقائع والحقائق لتغليب التهدئة، وبالتالي نجحت الجهود المكثفة في احتواء الموقف انطلاقاً من عناصر عديدة ابرزها:

1ـ استدراك الحكومة الاسرائيلية ان اي رد واسع على العملية سيؤدي الى حرب مفتوحة، وهو الأمر الذي لا تريده او تسعى الى تجنبّه في الوقت الحاضر.

2ـ رغبة الادارة الاميركية في ابقاء الوضع على ما هو عليه دون تجاوز الامور الى مستوى الحرب.

3ـ دقّة ووقع العملية التي نفذها حزب الله، والتي برهنت انه جاهز لكل الاحتمالات على عكس ما كان يظن نتنياهو وبعض قادة العدو.

ماذا حققت عملية «حزب الله»؟ يقول مرجع بارز ان اسرائيل باعتداءاتها وتدخلها المباشر في استهداف الجيش العربي السوري ثم «حزب الله» ارادت ان تحقق اهدافا عديدة: منها اقامة شريط أمني داخل الاراضي السورية مستفيدة من تعاونها ودعمها للمجموعات التكفيرية المتطرفة لا سيما «جبهة النصرة» لممارسة دور ضاغط ومباشر في الحرب على سوريا. وكذلك تغيير قواعد الاشتباك مع «حزب الله» واستغلال ما يجري على صعيد مواجهة الجماعات الارهابية لفرض أمر واقع جديد يلغي مفاعيل توازن الرعب والردع التي ارستها المواجهات مع المقاومة في لبنان لا سيما بعد حرب تموز 2006.

ويضيف المرجع ان الاعتداء والجريمة التي نفذتها اسرائيل بواسطة سلاحها الجوي ضد حزب الله في القنيطرة والموكب الامني الاستطلاعي شكلا خرقاً خطيراً لقواعد الاشتباك في الجولان خصوصاً بعد ان حذر السيد حسن نصرالله قبل أيام من الاعتداء من حصول اي خرق من هذا النوع.

وكان من الطبيعي ان يأتي الرد على هذا العمل العدواني، غير ان حصوله بهذه السرعة وهذا التوقيت فاجأ الكيان الصهيوني وكل المراقبين. وبرهن ان اسرائىل لا تستطيع ان تزعم وحدها بأن لديها «بنك اهداف» في حربها ضد المقاومة وان المقاومة وحزب الله لديه فعلاً «بنك اهداف» في هذه المواجهة المفتوحة.

(الديار)