«المقاومة لا تعترف بقواعد الاشتباك ولا بتفكيك الساحات والميادين، ومن حقنا أن نواجه أيّاً كان وفي أي زمان ومكان وكيفما كان» بهذه الكلمات خطَّ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، احد أهم نتائج الرد المقاوم على «الاغتيال الجريمة» الذي قامت به الحكومة الصهيونية الرعناء في مدينة القنيطرة السورية. جملة من الرسائل التي حاول القائد أن يرسلها في خطابه المفصلي يوم أمس، فهو الإنسان الذي «بكى» لأنه «أبٌّ»، وهو سيد الرجال واختصار الرجولة، فعلى «الإسرائيلي» أن يفهم جيداً أن هذه المقاومة «ليست مردوعة، هي حكيمة وشجاعة وقادرة… وإذا كان العدو يحسب أن المقاومة تخشى الحرب ليأخذ علماً أننا لا نخاف الحرب ولا نتردد في مواجهتها وسنواجهها إذا فرضت».

الرد المبدئي الذي حصل في مزارع شبعا، هو ردٌّ نوعي لا يوازي الحرب لكنه يخرج عن قواعد الثأر، فمجاهدو حزب الله «أتوا العدو من الأمام وفي لحظة استنفار»، وهذه المقاومة لم تكن ولن تكون لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل في غير وارد الرد.

رسم نصر الله القائد والمقاوم والإنسان حدود الردع المتبادل ملتقطاً رغبةً دولية في عدم التصعيد وواعياً لمأزق الصهاينة الاستراتيجي في المنطقة منذ عام 2000 فهي لم تحقق أي انتصار منذ ذلك الحين وتحوّلت إلى عبء استراتيجي على السياسة الأميركية في المنطقة، لعل في الخلاف بين نتنياهو وأوباما ما يدلل على صورة العلاقات الحالية، لكن ما هو أهم من ذلك كلّه هو الاستعاضة منذ عام 2010 عن الكيان الصهيوني وجيشه وآلته الحربية، بمجموعات «الربيع العربي» المسلحة التي قادت بكل ما استطاعت من قوة عملية التغيير وفق الرؤية الأميركية الصهيونية للشرق الأوسط، لكنها اصطدمت، كما جرى منذ سنوات، بصمود محور المقاومة في سورية، وبدأ منذ ذلك الحين التحوّل في مفاهيم الردع وصولاً إلى «نسف قواعد الاشتباك» في المنطقة كما في الجولان، هنا يكتسب تساؤل السيد نصر الله أهمية واسعة في إطار توصيفه للواقع الميداني في المنطقة التي شهدت «الاغتيال الجريمة» في القنيطرة «توجد جبهة النصرة على الشريط الحدودي، آلاف المقاتلين يملكون الدبابات ومضادات الدروع ومعسكرات التدريب والتحصينات العسكرية… تنظيم القاعدة الموضوع على لوائح الإرهاب الأميركية والغربية والعربية له حضور عسكري ضخم بين الجيش السوري والشريط الشائك، ونتنياهو لا يشعر بقلق من هذا الوجود» يقوم وحكومته «برعاية» هذا الوجود وفتح المستشفيات ويتفقدون الجرحى، هذا «سؤال كبير». وقد أجاب عنه السيّد بما يتجاوز مفهوم توحيد الجبهات عندما غمز من قناة شرعية المقاومة وواجب قيامها، ففي سورية اليوم نشهد منطقةً عازلة بدعم وقيادة مباشرين من الحكومة «الإسرائيلية»، ممثلةً «بالجماعات التكفيرية المسلحة في الجولان التي هي حليف طبيعي للعدو «الإسرائيلي»، وهي جيشُ لحدً سوري حتى لو رفع الراية الإسلامية»، وعليه فإن قيام مقاومة شعبية بات أمراً مسلّماً فيه، كما أن المقاومة اللبنانية ممثلةً بحزب الله ملزمة هي الأخرى في إطار عملها «الجهادي» العلني في «ساحات المقاومة» أن تتحرك وتتعامل مع الوضع الراهن الذي تعتبر سورية مركزه وساحته وفقاً لما يلي:

المعركة على أرض سورية هي معركة مصير بالنسبة الى المقاومة ومحورها، وأي تراجع على الساحة السورية أو تخاذل يعتبر انتحاراً بالنسبة الى المقاومة.

فرضت الحالة السورية بمركزيتها وتصرفات العدو «الإسرائيلي» «الأحمق» حسب تعبير السيد نصر الله، على المحور المقاوم توحيد جهوده في المعركة المصيرية، ورسم معادلة ردع جديدة تتكيف مع تغيير قواعد الاشتباك وضرب كافة الخطوط الحمر المتعارف عليها في جبهة الجولان منذ عام 1974 من الجانب «الإسرائيلي»، وهنا فإن المقاومة حاضرة بقوة في سورية ومن «الآن فصاعداً فإن أي كادر من كوادر حزب الله، وأي شاب يقتل غيلة سنحمّل المسؤولية لـ»الإسرائيلي»، وسنعتبر أنه من حقنا أن نرد في أي زمان ومكان وبالطريقة التي نراها مناسبة»، عند هذه النقطة تحديداً نرى السيد نصر الله يضيف خطوطاً حمراً جديدة إلى قواعد اشتباك جديدة تشمل مقاتليه في سورية، وبالتالي يضيّق هامش المناورة المفتوح منذ أكثر من سنتين أمام الجيش الصهيوني في اعتداءاته المتكررة على سورية سواء بحجة منع تزويد حزب الله بأسلحة نوعية، أو بحجة الرد الاستباقي على فتح جبهة الجولان كما صرّح وزير الدفاع «الإسرائيلي» موشيه يعالون، بمعنى أدق باتت حرمة الجولان من حرمة جنوب لبنان.

الحزب لا يأخذ ردود فعل غير منضبطة، بل هو حزبٌ حكيم يقدّر منفرداً التوازنات الدولية والخطوط الحمر، وفي ذلك توجّه مدروس إلى النخب السياسية الغربية سواء الحاكمة وغير الحاكمة، بضرورة التحرّك لتغيير الأساليب التي اعتمدتها في إدارة سياسات المنطقة خلال الأعوام الأربعة الماضية وعلى كافة الصعد، كما أنه يندرج بطريقة أو بأخرى في سياق فهمٍ مشترك لما يجب أن تكون عليه السياسات الغربية في المنطقة عندما قال الرئيس السوري بشار الأسد إن الغرب في حاجة الى من يقول له لا .

حزب الله الذي يدرك حجم التأثير والصدقية التي يتمتع بها أمام رأي عام العدو الصهيوني، توجّه إلى الناخب الإسرائيلي مباشرةً محمّلاً إياه في شكل مباشر مسؤولية اختياراته السيئة، في وقت باتت فيه انتخابات الكنيست الصهيوني على الأبواب، حيث قال السيد تقدير القيادة السياسية والعسكرية والأمنية في الكيان الصهيوني تقديرٌ أحمق .

ما مضى قد مضى، ونحن اليوم أبناء معادلة القنيطرة شبعا، معادلة تفتح سقف الردع مع العدو الصهيوني إلى حدوده القصوى، وترمي الكرة في ملعب قادة الكيان ومن ورائهم البيت الأبيض، فهل تبتلع تل أبيب ما ورد في خطاب القائد الإنسان وتقر بواقع عجزها ومأزقها الاستراتيجي وقواعد الاشتباك الجديدة؟

(البناء)