Get Adobe Flash player

 

في تعليق لها على نتائج الانتخابات التشريعية في اليونان التي فاز فيها أبرز أحزاب اليسار الجديد حزب سيريزا، وصفت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية زعيم الحزب «الكسيس تسيبراس» بأنه «ذو ميول ماركسية» وقالت إنّ حزب سيريزا يمثل «أقصى اليسار».

والحقيقة أنّ هذا الفوز الشعبي الكاسح الذي «فاق كلّ التوقعات» والذي حوّل اليونان يوم إعلان النتائج «إلى ما يشبه المهرجان المفتوح» حسب قول الصحيفة الأميركية، ليس حكراً على اليونان، فإسبانيا تعيش تجربة قد تشبه التجربة اليونانية، ففي هذا البلد أيضاً هناك حزب يساري راديكالي، أو حزب يقف في أقصى اليسار وذو ميول ماركسية يشقّ طريقه بقوة، ولن تكون البرتغال وإيطاليا وحتى فرنسا بمنأى عن هذا الإعصار اليساري، إذا ما حققت تجربة اليسار اليوناني بعض النجاح، حتى لو كان هذا النجاح نسبياً، وليس كاملاً، لأنّ وضع اليونان والتركة التي يواجهها التحالف الجديد أصعب من أن يتمّ تجاوزها بسهولة.

هذا يعني باللغة الطبقية عودة للشيوعية بوصفها العلاج لتناقضات وقصور الرأسمالية. ويمكن القول إنّ انتعاش الشيوعية يأتي بعد عقدين من تقهقرها الكبير إثر سقوط الاتحاد السوفياتي وتلاشي المنظومة الاشتراكية، وعلى الرغم من صمود الصين وتمسّكها بالنظام الشيوعي، على الأقلّ من ناحية التسمية، إلا أنّ الكثير من المحللين كانوا ينسبون نجاحات الصين إلى الرأسمالية أكثر منه إلى الشيوعية، على الرغم من ذلك ساد انطباع قوي بأنّ الشيوعية باتت من الماضي، وفي هذا السياق تمّ نشر كتاب «فوكوياما» حول «نهاية التاريخ» في إشارة إلى انتصار الرأسمالية.

وعلى الرغم من أنّ كثير من الكتاب الغربيين ومنظري الرأسمالية، وعلى رأسهم الأميركي «ليستر ثارو» شككوا في ذلك وتحدثوا عن تناقضات الرأسمالية والمخاطر التي لا تزال ملازمة لهذا النظام، إلا أنه في العقدين الماضيين بدا وكأن زوال الشيوعية هو أمر نهائي.

لكن انتعاش الأحزاب اليسارية من جديد على خلفية الأزمة الاقتصادية، وهي أزمة من فعل التناقضات الملازمة للرأسمالية كما يقول «ثارو»، أحيت مقولة ماركس في البيان الشيوعي حول «طيف الشيوعية» الذي يخيّم على أوروبا، وفي الحقيقة منذ أن وضع كارل ماركس وصديقه الملازم له «فريديريك أنجلز» مبادئ الشيوعية في عام 1848، كانت النظرية التي عرفت لاحقاً بالماركسية عرضةً للمدّ والجزر، تبعاً لنجاحات وإخفاقات النظام الرأسمالي، ويمكن ملاحظة ما يشبه الدورة المماثلة لدورات أزمات النظام الرأسمالي.

فمن المعروف أنّ الرأسمالية على امتداد ثلاثة قرون تمرّ بدورات تتوزع أحياناً على ثلاث سنوات أزمة يعقبها ثلاث أو خمس سنوات ازدهار، أو خمس سنوات أزمة يعقبها ما يقاربها من الازدهار. في سنوات الازدهار يتراجع التأييد للحركات اليسارية، وفي سنوات الأزمة يتعاظم هذا التأييد. اليوم الرأسمالية تعيد إنتاج هذا المسار، فثمة أزمة تعصف بالاقتصاد الرأسمالي منذ عام 2008 ولم تفلح كلّ الحلول المقترحة من الحكومات الرأسمالية بوضع حدّ لها، وكان من البديهي استناداً إلى القانون الذي عكسته التجارب السابقة منذ عام 1848 وحتى الآن، أن تنتعش الشيوعية من جديد.

«شبح الشيوعية» حسب عبارات ماركس وأنجلز في البيان الشيوعي يحوم من جديد في أوروبا هذه الحقيقة التي لا مفرّ من التسليم بها.

(البناء)