Get Adobe Flash player

 

نائب وزير الخارجيّة السوريّة

انتهت المشاورات التمهيدية في موسكو بين ممثلي الحكومة والمعارضات السورية برعاية مخلصة من قبل الأصدقاء في روسيا الاتحادية. وقد أثارت هذه المشاورات التمهيدية الكثير من الاهتمام والتكهنات دولياً وإقليمياً وفي أوساط المعارضات السورية. ويبقى أن الأهم في كل ما قيل حول هدف ومرجعية هذه المشاورات هي تلك المصداقية التي ميزت الموقف السوري إزاء مختلف جوانب الأحداث التي عصفت بسورية منذ أربع سنوات وحتى الآن. ولو كان البعض في المعارضات السورية قد تحلى بالعقلانية والمصداقية، حتى لا نقول أشياء أخرى، لما كانت سورية شهدت هذا النزيف الخطير والذي دفع المواطن السوري والشعب السوري ثمنه غالياً من دماء شهدائه وجرحاه وممتلكاته الحضارية والعمرانية. ويذكر جميعنا أن الأزمة السورية منذ بدايتها وحتى الآن لم تقم على خلافات ليست قابلة للحل بين السوريين، بل إنها كانت حرباً معلنة على سورية وعلى كل ما تمثله بشعبها وجيشها وقيادتها من إباء وكرامة وشرف واستعداد للتضحية بالغالي والنفيس على مذبح حقوقنا التي لا يمكن التنازل عنها وبخاصة منها تحرير الأرض العربية المحتلة واستعادة الجولان العربي السوري المحتل والقدس والضفة الغربية وما تبقى من أراضٍ لبنانية محتلة. إلا أن الانجرار خلف الدعاية الصهيونية التي تزعمها وعبّر عنها ملوك وأمراء أقسموا أغلظ الإيمان لسادتهم في تل أبيب أولاً وفي واشنطن ودول الغرب ثانياً، أنهم قادرون على إنجاز المهمة نيابةً عنهم، هو الذي قاد إلى ما حدث من دمار وخراب كانت أخطر أشكاله تكمن في الأبعاد الأخلاقية والنفسية من خلال إعلام مسعور روّج للهزيمة والخضوع والاستسلام.

منذ اندلاع الأحداث في بعض البلدان العربية وتبشير البعض بأنها ستنتقل إلى دول أخرى، فهمت سورية بأن هدف هذه الرسالة هي إما أن يخضع الجميع لـ»إسرائيل»، أو أن من سيصمد سيعرّض وطنه وإنجازاته وشعبه لتحديات لا سابق لها. وهكذا كان، إلا أن سورية قائداً وشعباً رفضا التهديد والوعيد واختاروا منطق العزة والكرامة مقابل الخنوع والاستكانة. ولم يتردد الرئيس بشار الأسد منذ اليوم الأول، بل وقبل ذلك في الرد على كل من أراد خلط الأوراق وتضليل الشعب وقال بكل وضوح المؤمن بشعبه وبكل مسؤولية القائد أنه سيقود شخصياً الإصلاح المنشود إذا كان هذا سيوقف الهجمة. وفي هذا الإطار تم إلغاء الأحكام العرفية وإصدار دستور جديد تضمن أحدث أشكال وآليات الحكم الديمقراطي، وإصدار قوانين تتضمن حرية الإعلام واحترام حقوق الإنسان الجماعية والفردية وحرية التنظيم وإقامة الأحزاب السياسية وحق التظاهر في إطار القانون كما هو في كل أنحاء العالم. ومع ذلك لم تتراجع الهجمة قيد أنملة، خصوصاً أن أدواتها من القتلة والمرتزقة والمخدوعين والمتآمرين قاموا بالتمادي ورفض كل الحلول التي تم تقديمها. والأكثر من ذلك، وفي ممارسة مشهودة له من الحكمة والعقلانية والواقعية المنطقية، وافق الرئيس الأسد آنذاك على التفاعل الإيجابي والبناء مع كل المبادرات العربية والدولية المعروفة لإيجاد حل للأزمة الأمر الذي كان يصطدم دائماً بالرفض من قبل أصحاب المخطط الذين لم يكن لهم إلا هدف وحيد وهو قتل سورية وتفتيتها وتدميرها والقضاء عليها وعلى أمتها وكي لا تقوم للعرب قائمة، بعد أن يحقق كل هؤلاء ما أرادوا وخططوا له لضمان أمن «إسرائيل» وتأمين المصالح الغربية في منطقتنا من نفط وثروات وأسواق استهلاك وموقع جغرافي واستراتيجي.

لقد انعقدت مشاورات موسكو التمهيدية وانتهت هذه الجولة بعد أن حققت كل الأهداف التي انعقدت من أجلها وأكثر. وفي الوقت الذي نعبر عن تقدير السوريين وامتنانهم لما قامت به القيادة الروسية من جهود طيلة هذه الأزمة، إلا أننا يجب أن نسجل لموسكو أيضاً محبتها لسورية وللسوريين. نسجل لها استخدامها الفيتو أربع مرات في مجلس الأمن لصالح كل السوريين، وليس لقسم منهم إذ لا يعقل أن يوافق أي سوري عاقل على غزو بلاده واجتياحه من أي طرف كان. ونسجل لموسكو إصرار وزير خارجيتها سيرغي لافروف ومعاونيه عدم التساهل أثناء مفاوضاتهم على بيان جنيف مع الأميركيين والغربيين وعملاء هؤلاء من العرب، كما سيذكر التاريخ لهم أنهم كانوا الأصدقاء الحقيقيين لسورية وليس أولئك الذين ادعوا أنهم «أصدقاء سورية» في الوقت الذي أطلقوا فيه كل إرهابييهم المتوحشين والمتعطشين للدماء لقتل السوريين.

في موسكو حضر الكثير من محبي بلدهم من أشخاص ورؤساء أحزاب وقيادات لكن بصفاتهم الشخصية، أما أولئك الذين لم يلبوا الدعوة فإن الأصدقاء الروس ونحن لم نُفاجأ بذلك. فهؤلاء الذين تعملقوا في غفلة من الزمن وجدوا أنفسهم أخيراً في موقف لا يسمح لهم فيه أسيادهم في الرياض والدوحة وباريس وأنقرة واسطنبول بالسير بحرية حتى في شوارع هذه المدن من دون إذن من سيدهم وسيد نعمتهم. ونجزم القول أنه لا سلطة أخلاقية أو وطنية لهؤلاء ولا للذين أعاقوا اعتماد وثيقتي موسكو. كيف لرئيس ما يسمى الائتلاف أن يكون وطنياً وأن يكون سورياً وهو ينتمي إلى جنسية أخرى وإلى حزب السلطة الحاكم في أنقرة، وأن يكون حراً في القدوم إلى موسكو أو لاحقاً إلى دمشق وهو وغيره قد ترعرعوا على موائد ورشاوى الأتراك والفرنسيين والأميركيين وفي أحضان «الإسرائيليين» وحلفائهم في بعض العواصم العربية؟

لم نتوقع نحن ولا أصدقاؤنا الروس ولا أغلب ممثلي المعارضات التي شاركت في مشاورات موسكو التمهيدية تحقيق المعجزات في موسكو وهذا شيء طبيعي مرت به أزمات أخرى في كل أنحاء العالم. انظروا كم من الأعوام والدمار انتظرت دول أخرى وشعوب أخرى لحل أزماتها! لكن ذلك لا يعني إطلاقاً أننا نرغب بتأجيل الحل ولو لدقيقة واحدة. لقد كنا نريد الحل أمس قبل اليوم، واليوم قبل الغد، وغداً قبل بعد غد. لم نكن نحن من رفض أو تردد في قبول مبادئ موسكو ونداء موسكو، لكننا سنعطي الوقت لمن لا يزال بحاجة لهذا الوقت على رغم أن شعبنا قد انتظر طويلاً. لكن يجب أن نسجل لاجتماع موسكو أنه الاجتماع الأول الذي كسر الجليد الذي زاده الغربيون قساوة حتى لا يجلس السوريون مع بعضهم ليجدوا حلاً سورياً سورياً لأزمتهم. وإذا كنا نريد لهذا اللقاء في موسكو أن يحقق أكثر مما تحقق، وهذا طموح مشروع، فإن ذلك لا يعني نهائياً أن الحكومة السورية والأصدقاء الروس والوطنيين السوريين الذين شاركوا في اللقاءات في موسكو لم تكن هذه هي رغبتهم العارمة إلا أننا والأصدقاء نعي أن البعض لم يتحرر حتى الآن من الضغوط والتعليمات الخارجية أو القناعات الخاطئة التي توصل إليها طيلة فترة الأزمة، ولذلك فإن موافقتنا على إجراء مشاورات قادمة سواءً كان ذلك في دمشق بكل ما يحتاجه ذلك من ضمانات، أو في موسكو إذا تعذر الآن الخيار الأول. لقد كان اجتماع موسكو هو اللقاء الأول عملياً منذ اندلاع الأزمة قبل أربع سنوات، وكان من الطبيعي أن نبني توافقاتنا حول حل المشكلة على الحد الأدنى كي يستوعب كل من لم يضع قدمه بعد على بداية الطريق وبداية الحل حتى الآن من السوريين المخلصين لوطنهم. لقد قال بعض من يفوض نفسه بالحديث نيابةً عن السوريين: «إن ما نعاني منه هو اغتيال السياسة والحل السياسي من قبل المجموعات المتطرفة والحل الأمني والعسكري». ويبدو أن من يتحدث بهذه اللغة التي يبدو ظاهرها وكأنه الحل، إن هذا المنطق المنحرف الذي يخلط المفاهيم ويضلل البسطاء والمساكين إنما هو المسؤول عن استمرار الأزمة. وإذا أضفنا إلى ذلك عدم حضوره وأمثاله إلى موسكو، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحاً في تحديد المسؤول عما تمر به سورية. إن الإرهاب ومن يدعمه وبأي قناع يتستر هو المسؤول عن مصيبة شعب سورية لأن هؤلاء ومنطقهم الأعوج هو الذي منح القتلة غطاء التخفي وراء الكارثة وإطالة أمدها.

إن الذين تلطوا طويلاً خلف الكلام المعسول عن الوطن لا يختلفون كثيراً عن جماعة الائتلاف الذين لم يخدعوا الآخرين بهم، بل أنهم كانوا أنفسهم يخدعون. كما أن أولئك الذين حضروا إلى موسكو وانقلبوا في اللحظات الأخيرة عما تضمنته الورقة الخاصة بمبادئ موسكو، وعددهم لحسن الحظ قليل جداً، يجب أن يعوا جيداً أن الولاء للوطن يجب أن يكون فوق أي ولاء آخر، فلا كرامة لأي إنسان إلا بوطنه وشعبه وجيشه. ويعرف هؤلاء أن سورية قيادةً وشعباً تحارب من أجل الحفاظ على سيادة سورية ووحدتها واستقلالها، وأنها أعلنت حرباً لا هوادة فيها على الإرهاب والإرهابيين. كما يعرف هؤلاء أننا لم نختلف معهم على سيادة القانون ومساواة المواطنين أمام القانون. وأن سورية التي ناصبها البعض العداء إنما كان ذلك لرفضها أي تدخل خارجي في الشؤون السيادية السورية، وأن السوريين بجميع أطيافهم هم سوريون أولاً وأخيراً. وإذا كان البعض الآن قد بدأ يتفهم ما جرى ويجري في سورية، فإن الوطن يغفر لأبنائه أخطاءهم، إلا أن الخيانة والارتباط بالعدو «الإسرائيلي» ومخططاته وتوجيه السلاح إلى صدور أبطال الجيش السوري ليس مجرد وجهة نظر.

إذا كانت موسكو قد شهدت الخطوة الأولى في مشوار الألف ميل، فإن ذلك يدفعنا للتفاؤل كما كنا دائماً. وإذا كانت خطوة موسكو بحاجة إلى خطوة أخرى، فإن القيادة السورية قد عبرت عن استعدادها للنظر إيجابياً في ذلك. وإذا كانت موسكو قد جمعت عدداً من السوريين للتوافق على مجموعة من الأسس لإجراء الحوار السوري السوري الذي يقود إلى إنهاء المحنة وإعادة التأكيد على الهوية العربية لسورية وعلى أهمية صيانة الجيش العربي السوري ودعمه ورفض التدخل الخارجي في شؤون سورية وعدم تواجد أي قوات أجنبية إلا بإرادة الدولة إضافةً إلى إدانة الإرهاب ومن يقف خلفه وتوحيد السوريين على كلمة سواء، فإن دمشق بانتظار جميع أبنائها المخلصين لحشد إمكانياتهم وطاقاتهم خدمةً للوطن الأم. وإذا كنا نفرح الآن لوجود ضوء في نهاية النفق، فإننا نتطلع إلى ضوء الشمس وهو ينير سماء سورية ويمنحها الدفء والحنان والأمن والاستقرار والقوة لجميع السوريين الذين يهمهم ويعشعش في صدورهم حب سورية ومستقبل أجيالها ودورها العربي والدولي والإنساني.

(البناء)