طرحت مشاركة بعض أطراف المعارضة السورية في لقاء موسكو التشاوري، وقبل ذلك الاجتماع الذي عُقد في القاهرة، وما تسرّب عنهما من معلومات بعضها علني بيان القاهرة وبعضها ظلّ طي الكتمان وثيقة موسكو التي ناقشتها المعارضة في اجتماعها الذي سبق اللقاء المشترك مع وفد الحكومة السورية، السؤال حول ما إذا كان ثمة تغيير في مواقف المعارضة؟

الأهمّ في قراءة مواقف المعارضة، وما إذا كان هناك تغيير في مواقفها، هو الوثيقة التي أقرّت في اجتماع القاهرة، ذلك لأنه في هذا الاجتماع شاركت غالبية أطراف المعارضة، معارضة الداخل ومعارضة الخارج، بما في ذلك أطراف الائتلاف المرتبط بالمملكة العربية السعودية ممثلاً بأحمد الجربا. ولذلك فإنّ الحكم على ما إذا كان هناك تغيير أم لا في مواقف المعارضة يمكن ملاحظته من خلال وثيقة القاهرة، وليس أي وثائق وتفاهمات أخرى.

في وثيقة القاهرة يمكن لحظ ثلاثة تغييرات في مواقف المعارضة:

التغيير الأول، قبول مبدأ الحلّ السياسي. معروف أنّ المعارضة ممثلة بالائتلاف كانت تعارض الحلّ السياسي، ولا تقبل أقلّ من نقل السلطة من الحكومة الحالية إليها، بل إنها كانت تدعو إلى تدخل عسكري خارجي لإسقاط النظام.

التغيير الثاني، الموافقة على مكافحة الإرهاب، والإقرار بوجود خطره في سورية. معروف أنّ المعارضة كانت ترفض الاعتراف بوجود تنظيمات إرهابية، ودافعت علناً عن «جبهة النصرة» التي أعلنت انتماءها رسمياً إلى تنظيم «القاعدة»، عندما صنّفت الولايات المتحدة ومجلس الأمن هذا التنظيم بوصفه تنظيماً إرهابياً، وقالت إنه جزء من «قوى الثورة».

غياب الإلحاحية والشرط المسبق لعدم مشاركة الرئيس بشار الأسد في أيّ حلّ سياسي يمكن التفاوض عليه.

هذه التغيّرات واضحة وملحوظة في مواقف الائتلاف وهو التشكيل المعارض الذي حاولت الحكومات الغربية حصر تمثيل الشعب السوري فيه.

لكن في الواقع هذه التغييرات لا يعود الفضل فيها إلى المعارضة، سواء معارضة الداخل ممثلةً بهيئة التنسيق، أو معارضة الخارج ممثلةً بالائتلاف. هذا التغيير في مواقف المعارضة هو صدى، أو بالأحرى تكيُّف مع التغيير الذي طرأ على مواقف الحكومات والدول التي خططت وقادت وموّلت الحرب على سورية، أيّ حكومات الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، وحكومات المنطقة التي تدور في الفلك الأميركي. فمن المعروف أنّ الولايات المتحدة وغالبية الحكومات الغربية، ربما باستثناء فرنسا، باتت تؤكد على الحلّ السياسي، وتضع محاربة الإرهاب كأولوية في سياستها السورية، كما أنّ هذه الحكومات لم تعد تلحّ، أو تضع كشرط مسبق رحيل الرئيس الأسد عن سدة المسؤولية.

وهذه المتغيّرات في مواقف المعارضة تؤكد الحقيقة المزدوجة أنّ هذه المعارضة عميلة أو مرتهنة لداعميها، وأنّ أساس الحرب على سورية مطامع الدول الغربية والدول الإقليمية مثل تركيا وليس أيّ شيء آخر.

(البناء)