من يعبر صدفة في أروقة المجلس الأوروبي، سيعتقد أن تدافع الكاميرات ينتظر قدوم أحد المشاهير. قاعة المؤتمرات الصحافية الصغيرة لليونان كانت ممتلئة بالصحافيين. وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير لم يستطع المرور من دون أن يرمق المنتظرين بنظرة استغراب، فطوال المرات الماضية كان الصمت سيد الموقف في تلك الفسحة على طريقه.

هكذا حضر وزير خارجية اليونان الجديد نيكوس كوتزياس، ابن حكومة «سيريزا» التي ضجت بها أوروبا، كما لو أنه بالفعل نجم سينمائي. كان صانع الحدث بامتياز، وكانت تلك الجلبة في انتظاره مستحقة. وقفت اليونان ضد الإجماع الأوروبي على تحضير عقوبات اقتصادية جديدة على روسيا، للتهديد بها من أجل إيقاف التدهور العسكري في شرق أوكرانيا.

مصدر ديبلوماسي حضر الاجتماع الأوروبي الطارئ، قال لـ «السفير» إن ما ساد يمكن اختصاره بالتالي: «كانت معركة غريبة، كانوا 27 ضد واحد».

بوادر الخلاف بدأت مع لقاء سفراء الاتحاد الأوروبي أمس الأول، وكانت الحكومة اليونانية قد تشكلت لتوها، موعزة إلى سفيرها بالموقف الجديد من أزمة أوكرانيا. نتيجة لذلك، فشل السفراء في التوصل إلى إجماع، مع أن هناك نصاً كانت 27 دولة متفقة عليه، بحسب المصدر.

عاد السفراء إلى التداول أمس، قبل اجتماع وزراء الخارجية، لكنهم أخفقوا مجدداً، وقرروا ترك الأمر لرؤساء الديبلوماسية الأوروبية.

خلال وصولهم، حاول العديد من الوزراء إنكار واقع الخلاف واستحكامه. سألت «السفير» وزير الخارجية البلجيكي ديدييه ريندرز حول الموقف اليوناني المعاند، فقال: «آمل أن الوضع لن يكون كذلك، أنتظر موقفاً واضحاً داخل قاعة الاجتماع، فقد سمعت الكثير من التعليقات في الخارج، وما أتمناه هو أن نحصل على إجماع أوروبي بشأن أوكرانيا».

وقالت مصادر أوروبية لـ «السفير» إن ما ساد في الاجتماع كان «عراكاً سياسياً». النقطة التي استعصى فيها النقاش الأوروبي هي أي أفق ينبغي إعطاؤه للعلاقة مع روسيا، في ما يتعلق بتطورات أوكرانيا الأخيرة. أي لهجة ستستخدم، وبالتالي أي ضغوط ينبغي ممارستها لمحاولة دفع موسكو كي توقف اندفاعة الانفصاليين الأوكرانيين.

بحسب المصادر، رفض اليونانيون بشكل قاطع التلويح بعقوبات اقتصادية. هدد الوفد اليوناني بأنه سيستخدم «الفيتو»، ما يعني عرقلة أي قرار، إذا لم يحذف التلويح «بالمزيد من الإجراءات التقييدية». من الجانب الآخر، هددت بريطانيا بأنها أيضاً ستستخدم «الفيتو» في وجه أي لغة متساهلة مع موسكو.

النتيجة كانت تدخل الوزيرين الألماني شتاينماير والفرنسي لوران فابيوس، وإعدادهما مقترح تسوية، أشار إلى أن الوزراء يطلبون من الخارجية والمفوضية الأوروبيتين القيام «بعمل تحضيري لاتخاذ أي إجراءات مناسبة (حذفت الإشارة إلى عقوبات)»، بهدف «ضمان الالتزام باتفاق» مينسك للهدنة.

حينما سألت «السفير» وزير خارجية اليونان كوتزاس عن هذه الوقائع، أقر بحصول خلافات حادة، موضحاً أنه «كانت لدينا نتائج جيدة في النهاية، من حاول استخدام الفيتو هو بريطانيا لا نحن». لم يخف رضاه عن نجاحهم في تغيير نبرة الموقف الأوروبي، مشيراً إلى أن «النقاش اليوم كان حول عقوبات جديدة، والآن كل دول الاتحاد قبلت تسوية تقول إنهم لا يريدون عقوبات جديدة».

وضعنا الموقف الأوروبي أمام كوتزاس، لنفهم وجهة نظره وعلى ماذا يبني. قلنا له إن نظراءه يعتقدون أن «العقوبات» على روسيا هي الوسيلة الوحيدة لممارسة الضغط، وسألناه ما الذي يريد تحقيقه؟ قال، مشيراً إلى نهج مختلف جذرياً عما تبناه الأوروبيون حتى الآن،: «إسأل الجميع في الاتحاد الأوروبي، لماذا لا يريدون التفاوض مع طرف ثالث؟ علينا تعلّم أن نتحدث للجميع، فهذا ليس أمراً سيئاً».

أما لماذا يشكل هذا الكلام مفترقاً، لأن الجملة السحرية التي رددها غالبية المسؤولين الأوروبيين هي أن اتفاقيات الشراكة، مع أوكرانيا وغيرها من الدول الشرقية، شأن محصور بين الاتحاد وهذه الدول. كانوا يرددون بلهجة متصلبة إنهم لن يقبلوا التفاوض «مع طرف ثالث» حول تلك الاتفاقيات، في حين كانت روسيا تصر على أنه يجب التفاوض معها أيضاً لأن الاتفاقيات تمس مصالحها مباشرة. لم يحدث ذلك، فوقعت الاتفاقيات مع أوكرانيا وجورجيا ومولدافيا، لكن حدة الصراع جعلت الأوروبيين يؤجلون تطبيق الاتفاق مع أوكرانيا حتى بداية العام المقبل. كان ذلك تنازلاً من أجل تمرير اتفاقية لإعادة ضخ الغاز إلى كييف، بعدما هدد انقطاعه بأزمة غاز لن تسلم منها دول الاتحاد.

في شرحه لموقفه، قال الوزير اليوناني الجديد إن من مصلحة أوروبا التفاوض مع روسيا: «على المدى الطويل لا نريد أن نرى روسيا تتجه شرقاً، وحينها ستشتري بالرخيص من الصين».

استنكر كوتزاس ما اعتبره هجمة تشويه بحقه، قال إن الصحف الغربية الكبرى قادتها. صار يضحك وهو يشرح أن ما قرأه جعله يشك للحظة إن كان لديه «حياة أخرى»، أو إن كان هو الشخص نفسه. اعتبر أن هذا الهجوم له سبب واحد، وهو أن اليونان بدأت ترفع صوتها: «البعض يظن أننا نكون بلداً جيداً حينما نقبل كل شيء. القتال (داخل الاجتماع) لم يكن حول العقوبات، بل حول حق بلد صغير ويعيش أزمة عميقة في أن يرفع صوته، وهذا حقنا وفق المواثيق الأوروبية».

في النهاية، خرج الإجماع الأوروبي بالاتفاق على تمديد العقوبات السابقة ستة أشهر، حتى أيلول المقبل. المقصود هو قوائم من عشرات الشخصيات والهيئات الاقتصادية التي جرى وضعها في لوائح سوداء. لكن معركة «27 ضد واحد»، ليست «سوبر مان» ضد الآخرين. كان واضحاً أن اليونان أرادتها بروفة تؤكد أنها ستكون في موقف حربي، حينما يصل الأمر إلى الملف ذي الأولوية: الخروج من شروط التقشف وخطط الإنقاذ، ومحاولة شطب نصف الدين اليوناني الهائل.

هكذا جاء البيان الأوروبي المشترك محملاً روسيا مسؤولية تدهور الوضع في أوكرانيا، وإن قال ذلك بشكل غير عدواني. قال الأوروبيون إنهم يلحظون إشارات «للدعم المستمر والمتزايد للانفصاليين من روسيا»، وأن هذا يؤكد على «مسؤولية روسيا» تجاه ما يحدث.

ما يطالب به الأوروبيون الآن هو العودة إلى اتفاق برلين الأسبوع الماضي، المؤسس على هدنة مينسك: سحب المعدات الثقيلة من خط التماس، إجراء مفاوضات تقود إلى انتخابات مبكرة في مناطق الانفصاليين، بناء على وضع من الحكم الذاتي المحدود. هذه النقاط رفضها حلفاء روسيا، فهم يريدون حكماً ذاتياً على كامل إقليمي لوهانسك ودونيتسك، مع إشارات على رغبتهم في قضم المزيد من أرض «روسيا الجديدة»، التي تعزل أوكرانيا عن البحر الأسود.

لكن الخائفين هم دول عدة، أبرزهم بولندا ودول البلطيق المجاورة لروسيا. لذلك يقول وزير خارجية ليتوانيا إن العراك السياسي مع اليونان، بما تحمله من موقف مغاير، لن يتوقف. حينما سألته «السفير»، قال ليناس لينكفيشيوس: «ما البديل؟ أفترض أننا لن نرسل قوات»، قبل أن يضيف «الضغوط الوحيدة التي يمكننا ممارستها هي عبر العقوبات، ويمكنني القول عبر عزل روسيا».

(السفير)