من اليوم الأول الذي افتعلت فيه الأحداث في سوريا ، تكونت لدى أطراف محور المقاومة قناعة راسخة ، بأن ما دبر لسوريا بليل ، هو أكبر بكثير مما سمي في حينه بأنها ثورة شعبية ، أو أن الأحداث في هذه الدولة ، لهي متماهية مع ما سمي في حينه بربيع العرب ... إنما القناعة كانت تزداد يوماً بعد يوم ، لدى هؤلاء - وخصوصاً بعد رفض الإصلاح الذي طرحه الرئيس الأسد ، ومن بدايات الأحداث - بأن المطلوب هو رأس النظام الممانع فيها ، وكذا الدور الذي مثلته وتمثله سوريا بموقعيتها في مواجهة المشروع الصهيوأمريكي على امتداد عقود من الزمن ...

لأجل ذلك ، فإن الإرهاب ، كان من أقصر و أسرع الأليات التي اتبعها أصحاب المشروع التخريبي والتدميري في سوريا ، وكذا يعتبر أقل تكلفة بشرية ومادية عليهم ، وذلك في تحقيق ما يصبون إليه ، ومنذ زمن طويل ..

إذا الصورة انجلت سريعاً من أمام أعين محور الممانعة ، حول المطلوب فعلياً من الإرهاب ، وذلك من خلال تقاطع المشروع مع أدواته ، أو حتى من من خلال التشريك بينهما ( الإرهاب وأصحاب مشروع التدمير ) على حد سواء .

كان التوجه لدى أصحاب القرار في المحور الممانع ، حول كيفية إفشال المشروع - وبكل شفافية - بأن ذلك يكون من خلال إسقاط الأهداف التي رفعها أصحاب المشروع ،والتي حُصرت في إثنين أساسيين ومتتاليين ، الثاني يكون بديلا ً لفشل الآول : أولاهما تجلى من خلال السعي لإسقاط الدولة السورية ، والثاني يتمثل في استنزاف المحور الممانع برمته ، وعلى كافة الأصعدة ..

بكل صراحة أيضاً لم نكن من الراضين بتلك المنهجية في الخلاص من ذاك المشروع ، وذلك لإعتقادنا بأن الوسائل التي استخدمت ، وستستخدم في مجابهة ذلك ، لن يأت بما يريده أطراف المحور ، كوننا اعتقدنا أن المشروع الهدام وألياته ، هو مشروع ٌ ولاّد للأحداث والتطورات ، وأن الخلاص بهذه الطريقة ، سيكون كمن يبتر ذراعاً لكائن الهيدرا ، والذي تستولد بدلا ً منه أكثر من ذراع ... وأن وجهة نظرنا ، تتلخص في إفشال المشروع من خلال ضرب مواطن المشروع نفسه ، وليس أدواته ، وذلك من خلال جعل هؤلاء- أي هذه المواطن - ترزح تحت نير الإستنزاف والنزف المباشر ، والمتبادل على حد سواء ..ولقد دعونا إلى ذلك من خلال مقالة نشرناها بتاريخ 16-06-2012 ، والتي كانت تحت عنوان " ورقتان لا ثالث لهما لحل الأزمة في سوريا " ، واللذان تمثلا ب :

١-زعزعة الأمن الصهيوني

٢-مصادر النفط العربي ، وتنقلاته من المنطقة .

بعد جرح العراق اليوم ، وبعد مرور حوالي السنوات الأربع على بدء النزف السوري والممانع أيضاً ، وبعد تكرار مناشدتنا المتواصلة ، ومنذ ذاك التاريخ ، وفي أكثر من مقالة منشورة ، بأن النقطة الأولى من مقترح الخلاص أعلاه ، لهي ضرورة لا بد منها ، للخروج من براثن الأزمات التي تعصف بالمنطقة ، وخاصة أن الكيان الصهيوني - وبقناعة لدينا شبه مطلقة - بأنه الوحيد القادر على إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل أذار من العام ٢٠١١ ، وذلك نظراً لما لهذا الكيان من نفوذ مؤثر جداً على كافة الجبهات المحيطة بسوريا ، إن لجهة العراق أو تركيا وكذا الأردن وبعضٌ من لبنان أيضاً ..

يبدو أن تسارع الأحداث منذ غارة القنيطرة إلى ما تلاها من تطورات متلاحقة ، انطلاقاً من كمين السويداء ، إلى عملية شبعا الأخيرة ، وصولا ً إلى الحديث المرتقب اليوم للسيد نصرالله ، وما يمكن أن يتضمنه من مواقف هامة ومصيرية ، تجعل من الصورة تنقلب تماماً ، وذلك رأساً على عقب في مسار الأحداث في المنطقة برمتها ... فكيف ستكون ملامح المرحلة المقبلة في ظل كلام السيد اليوم ؟

منذ إعلان السيد - في إطلالته الإعلامية الأخيرة - بأن السلاح الممانع قد أصبح واحداً موحداً ، وأن الإعتداء على ساحة ممانعة ، يمكن للرد أن يكون من خلال ساحة أخرى ...وبعد جس النبض الصهيوني للمقاومة ، وذلك من خلال غارة القنيطرة ، وتقدير الصهاينة ، من سياسيين وباحثين وكتاب استراتيجيين ، بأن المقاومة ، لا تقدر على الرد ، لأنها - بحسب تقديراتهم - تخشى الحرب الثالثة مع الكيان الصهيوني ، وذلك لإعتبارات أضحت معلنة ...

المفاجأة المدوية ،بعد غارة القنيطرة ، كانت على الشكل التالي : الصمت المطبق لقيادة المقاومة ، التصريحات الإيرانية العسكرية والسياسية ، بأن " العاصفة قادمة " على الكيان ، تأجيل حديث السيد إلى اليوم ، الإجراءات الميدانية المتخذة - سراً وعلناً - من قبل المقاومة ، الرد العملياتي السريع في شبعا ، مجاهرة الحرس الثوري سريعاً بأن هذا الأخير سيقف مع المقاومة في كل الساحات ، إصدار المقاومة للبيان رقم ١ ، وما كان لذلك من دلالات هامة ، الرسائل السياسية الهامة التي وُجهت لأكثر من طرف دولي ... ناهيك عن أن مكان الرد ، واختلافه عن مكان العدوان ، وفي ذلك لدلالة قوية على تكامل الجبهات ووحدتها ...

هنا أسقط في يد الكيان الصهيوني ، وتحديداً نتنياهو ، فوقع في مأزق خيارين أحدهما أصعب من الأخر ، حدّهما الأول ، ينجرُ معه الكيان نحو حرب شاملة ، أساء تقدير ذهاب محور الممانعة إليها ، وهي في الوقت عينه ، ليست في صالح أمريكا ولا أوروبا في هذه المرحلة ، ولإعتبارات عدة ... أما حدّها الثاني ، يتمثل في الإكتفاء بالرد المحدود على أهداف محدودة .. مما جعل الحديث عن رضوخ الكيان الصهيوني لمعادلات جديدة واقعٌ مستجد ، والذي نتوقع بأن تجري هذه الأخيرة اليوم على لسان السيد نصرالله في خطابه المنتظر ..

لم يكن هذا الكمين الإستراتيجي ، هو الأول الذي يقع فيه الكيان الصهيوني ، إنما كان قد سبقه كمين سابق ، وذلك في الأول من أيلول من العام ٢٠١٣ ، وذلك كان عندما اعتقدت أمريكا ومعها الكيان الصهيوني ، بأن سوريا ، ومعها محور الممانعة قد وقعوا في فخ الحرب من الجغرافيا المتشعبة ، وذلك بهدف تشتيت المحور وإحراج بعض أطرافه .... إلا ّ أن المفاجأة كانت من خلال اكتشاف الكيان الصهيوني ، بأن رد المحور - وبكافة أطرافه - سيكون حصراً من سوريا ، مما جعل من الكيان الصهيوني ، يتوسط لدى أمريكا بإيجاد المخرج من ورطة عدم انجرار المحور الممانع لما كان يرتأيه من جغرافيا الردود .. فوقع في المصيدة ، وكان الإخراج الشهير ، بما عرف يومها بالإتفاق الكيميائي مع سوريا ....

نخلص إلى القول ، إنه إذا كان الكمين الإستراتيجي الأول ، قد كانت نتائجه ، خذلان الكيان الصهيوني في توريط المحور الممانع في حربٍ لم يكن يريدها يومها ، فضلا ً عن أن تداعيات ذاك الخذلان ، قد طوى نهائياً معزوفة إسقاط حلقة المقاومة في سوريا ... فإن الكمين الإستراتيجي الثاني ، والذي تمثل في عملية شبعا الأخيرة ، قد وضعت الكيان الصهيوني مجدداً أمام خياري الإستنزاف المديد ، من لبنان إلى سوريا ، وذلك كرد ممانع على الإستنزاف الصهيوأمريكي لمحور الممانعة بواسطة الإرهاب ، وعلى امتداد أربعٍ من السنوات .... أو الخيار الأخر - والذي قد يكون بديلا ً للحرب الشاملة - ، ألا وهو العودة بالمنطقة إلى ما قبل أذار من العام ٢٠١١ ..

فإما استنزاف عسكري متبادل على جبهات النار المختلفة ، مع إحياء لمعادلة حماية المدنيين ، وفقاً لقواعد اشتباك نيسان ٩٦ ، وإما أن يعود الجميع إلى ما قبل العام ٢٠١١ ، فالكل يتجهز ، والكل ينتظر ... كما ينتظر العالم اليوم .