Get Adobe Flash player

 

محاطاً بالاهتمام الذي أثاره الموضوع، بعدما تساءل عن فلسفة السياسة الروسية، كان أحد مسؤولي حلف شمال الأطلسي يفاتح بعض السياسيين الأوروبيين بالقول إن «الأمر ببساطة أنهم يعنون ما يقولون، ويفعلونه أيضاً».

كان ذلك في جلسة نقاش سخر فيها مما علّمتهم إياه المعاهد الديبلوماسية، محاججاً بأنه لا حاجة لحسابات معقدة، بل يكفي الإصغاء إلى تصريحات الكرملين.

ما يقوله الكرملين، وما يفعله، سيقود اليوم وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي إلى اجتماع طارئ. جاء ذلك بعد توصية من الزعماء الأوروبيين، لبحث تشديد العقوبات على روسيا. الجديد الذي استفزهم هو تصاعد القتال مجدداً بين حكومة كييف وقوات الانفصاليين، ولذلك يقولون إنهم يريدون من موسكو الضغط على حلفائها للعودة إلى اتفاق الهدنة.

هذه المرة هناك تفوق واضح للمتمرّدين، فهم سيطروا على مطار دونيتسك بعد أشهر من الاشتباكات حوله. الأهم أنهم يتطلعون إلى التقدم نحو ميناء ماريوبول، فهو يشكل محطة مهمة في طريق تحقيق حلمهم: إقليم مستقل يشكل امتداداً برياً من حدود روسيا إلى مشارف القرم التي صارت روسية. منطقة عازلة كهذه، عرفت تاريخياً بمسمّى «روسيا الجديدة»، وبات الحديث عنها دارجاً لدى زعماء الانفصاليين، كما مرّت عليها خطابات القيادة الروسية.

تطبيق معادلة مسؤول «الناتو» يعطي نتائج صحيحة: لطالما أعلنت موسكو أنها «لن تسمح» بهزيمة الانفصاليين. الواقع شهد ترجمة حرفية لذلك، فالجيش الأوكراني لم ينجح بإخضاعهم، برغم الحرب المستمرّة منذ نيسان الماضي.

مع ذلك ترفض روسيا، بحرص شديد، الاعتراف بتقديمها الدعم العسكري. كانت تنفي في كل مرّة يعرض «الأطلسي» صوراً جوية، أو مقاطع فيديو، تظهر أرتال أسلحة ثقيلة تعبر الحدود الروسية إلى مناطق الانفصاليين. حينما تُسأل عن مقتل جنود روس هناك، كانت تتملّص بالقول إنه لا يمكنها منع مَن يلبّون «نداء الضمير».

على أية حال، هذا الكلام لا يقبضه الغرب بالطبع. الجميع يذكّر كيف كانت روسيا تنفي أي وجود لعساكرها في القرم، رغم تصويرهم مرابطين قرب آلياتهم، قبل أن تعترف أخيراً أنها كانت عملية مخططة.

إنها أيام شماتة تلك التي يعيشها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذه الأيام. المصالح صارت قريبة أكثر من شقّ وحدة الصف الأوروبي حول فرض العقوبات. جبهة المعارضين تتسع، وبات المتردّدون والرافضون يشملون: هنغاريا، النمسا، فرنسا، إيطاليا، قبرص، التشيك، سلوفاكيا.

مصدر الشماتة أن هناك قادماً جديداً، ينافس هنغاريا على تصدّر جبهة المعارضة الصريحة. لم يوفر حزب «سيريزا» اليوناني أي وقت ليؤكد أنه يعني ما قاله عن تبنيه نهجاً مغايراً. كان المتوقع أن يتريّث مستخدماً لهجة مهادنة في البداية، خصوصاً أن الأولوية تبقى معركته الشرسة لإنهاء التقشف وشروط النفاذ، علاوة على شطب نصف ديون هائلة ترفضه بشدة برلين وبروكسل.

الكاميرات ستتدافع في اجتماع بروكسل لمتابعة نيكوس كوتزاس، وزير خارجية اليونان الجديد. أستاذ العلوم السياسية، والشيوعي السابق، فاجأ الكثيرين وهو يقول حالما تسلم منصبه أمس الأول، إن «كل مَن يتصور أنه باسم الديون ستتخلى اليونان عن سيادتها، وعن دورها النشط في السياسة الأوروبية، فهو مخطئ».

ليس بلا معنى أن كوتزاس اختار الاستفتاح بتصريحات حول روسيا. كان ينتقد بشدة قيام دونالد توسك، رئيس المجلس الأوروبي، بإصدار بيان مشترك، حمل اسم القادة الأوروبيين. حمّل البيان روسيا «المسؤولية» عن هجمات الانفصاليين، داعياً إلى البحث في تشديد العقوبات عليها. حينما أصدر توسك بيانه لم تكن الحكومة اليونانية أدّت اليمين الدستوري بعد. قال الوزير الجديد إن ما حدث «غير مقبول»، موضحاً أن «بعض دول الاتحاد خرقت القواعد الأوروبية وحاولت وضعنا أمام الأمر الواقع».

هذه الاعتراضات كان افتتحها رئيس الحكومة الجديدة أليكسيس تسيبراس. برغم الانشغال بترتيبات أداء اليمين الدستورية، أوعز لمكتبه بإصدار بيان واضح: لم يتم التشاور معنا وفق الأصول، ثم أن «اليونان غير موافقة على البيان».

المعروف أن تسيبراس زار موسكو في أيّار الماضي، ليلتقي نواباً في «الدوما» وبعض المحيطين بالرئيس الروسي. من هناك دعم استفتاء القرم، وانتقد سياسة العقوبات لأنها «كمن يطلق النار على قدميه».

ما يحدث يجعل المانيا أمام تحدّ جديد. رغم محاولتها كبح جماح الأزمة لكنها استخدمت الإجماع الأوروبي للضغط على موسكو. العقوبات بالفعل جعلت الاقتصاد الروسي يتوجّع، ليتضاعف العبء مع تدهور أسعار النفط. وزراء الخارجية سيعدّون توصياتهم لقمة الزعماء الأوروبيين، بعد أسبوعين، تمهيداً لنقاشهم زيادة العقوبات.

وسط هذه الأجواء المتوترة، حرص الرئيس الأميركي باراك أوباما على مهاتفة أنجيلا ميركل، لضمان حشد مزيد من الضغط على روسيا. الزعيمان عبّرا مجدداً عن قلقهما من دعم موسكو للانفصاليين.

سياسي أوروبي منخرط في نقاش السياسة الأمنية والدفاعية الأوروبية، قال لـ «السفير» إن التسوية هي التي تقلق الأميركيين وليس تصاعد التوتر. علّق على القضية بالقول «إذا توافق الاتحاد الأوروبي وروسيا، وبدأت الشراكة تعمل، فأين ستكون أميركا. الآن هم يذكّرون أوروبا بأنهم ضمانة عسكرية لأمنها».

الموجة التي تركبها برلين الآن هي الأعلى في معارضة سياسة الكرملين. مع ذلك، تحدثت ميركل الأسبوع الماضي عن إمكانية إقامة تعاون اقتصادي، وتجارة حرة، بين المشروعين المتنافسين لروسيا والأوروبيين. هذا كلام غير مسبوق، ويخالف الطروحات السابقة، لكن شرط تحقيقه الأساسي هو حل معضلة الصراع الأوكراني.

فريق ميركل هو أحد أبرز مهندسي «مشروع الشراكة الشرقية»، لربط اوكرانيا وجورجيا ومولدافيا ودول شرقية أخرى بالاتحاد الاوروبي. بوتين لديه مشروع منافس هو «الاتحاد الأوراسي»، مع بيلاروسيا وكازخستان وأرمينيا وقرغيزيا. الاوروبيون لطالما شدّدوا مراراً على أن الدول الشرقية لا يمكنها الانضمام للمشروعين، منتقدين هيمنة موسكو على الأوراسيين.

يبدو أن محاولة تخفيف الاحتقان، بعدما أظهرت موسكو تأهباً عسكرياً وجهوزية لسيناريو أسوأ، حملت برلين على التلويح بتنازلات. عرض ميركل جاء قبل أيام قليلة من اندلاع التصعيد العسكري، ليعود الإعلان عن القتلى العسكريين والمدنيين حدثاً يومياً. قبل ذلك بأيام، قال الرئيس الروسي إن جيش أوكرانيا بات يتصرّف مثل «فيلق في الناتو». لم تتأخر الترجمة.

(السفير)