Get Adobe Flash player

 

نفذ «حزب الله» تهديده سريعاً. ضرب في المكان والزمان المناسبين. أعاد لهذه العبارة اعتبارها، منفذاً عملية نظيفة خلف خطوط العدو، من دون أن يبالي باستنفاره العسكري والأمني. السرعة والدقة أربكت إسرائيل. جعلت رئيس حكومتها يخرج متوعّداً، ومؤكداً أن «الجيش مستعدّ للرد بقوة على أي جبهة». وللمفارقة، نصح بعدم «تحدي إسرائيل»، بالرغم من أن العملية كانت قد نُفّذت والتحدّي قد وقع.

الأضواء سلطت على رئيس الوزراء الإسرائيلي لأكثر من سبب. هو على أبواب انتخابات عامة، قيل إنها لعبت دوراً رئيساً في حسم القرار السياسي بتنفيذ عملية القنيطرة. خلطت المقاومة أوراقه أمس. الاجتماع الوزاري المصغر لم ينجح بالإيحاء أن قراراً كبيراً سيصدر عنه. تكفل المحللون الإسرائيليون بتحديد سقفه: لا حرب في الأفق. لم يتأخّر الوقت حتى طُلب من قاطني المستوطنات الشمالية العودة لممارسة حياتهم العادية. حينها انكشف حدود الردّ الإسرائيلي، الذي كان قد انتهى إلى قتل عنصر من الكتيبة الإسبانية في «اليونيفيل».

قبل ذلك، أفرغت عملية القنيطرة أي حجة يمكن أن تسوّقها إسرائيل أمام المجتمع الدولي وحلفائها الغربيين لشنّ أي عدوان على لبنان. كلّهم لم ينسوا بعد أنها هي التي تحرّشت بالمقاومة منذ عشرة أيام. وبالتالي، فإن عملية الحزب لم تكن إلا رداً مدروساً بدقة. حتى الخارجية الأميركية دانت إسرائيل في معرض إدانتها لـ «حزب الله». بدت كأنها تقول لها أنت البادئة والبادئ أظلم، لكنها اكتفت بدعوة «الأطراف كافة إلى ضبط النفس والامتناع عن أي عمل يؤدي إلى تصعيد». لم يحتمل البيان التأويل. كان تحذيراً غير مباشر لإسرائيل يدعوها للجم نفسها، والاكتفاء بالتعادل. عملية مقابل عملية.

في الأساس، ليس القرار قراراً إسرائيلياً داخلياً فحسب. معادلة الردّ مرتبطة بعدد من الملفات التي لا يمكن للقيادة الإسرائيلية تحمّلها. الحرب يمكنها أن تفشل كل خطط أميركا في المنطقة. حوارها النووي مع إيران سيُنسَف، كما أن المنطقة كلها قد تنجرّ إلى الحرب. ففي ذروة التوتر الذي تعيشه، يبحث الجميع عن كيفية إيجاد الحلول والأفكار التي تسمح بإعادة الاستقرار. وبالتالي، لن يُسمح لإسرائيل أن تنهي كل ذلك وترمي الوقود فوق النار المشتعلة أصلاً.

حتى على الصعيد الداخلي، بدت القيادة الإسرائيلية مكبّلة، بعد أن وضعت نفسها أمام معادلة «عدم الردّ على عملية حزب الله مصيبة، لكن المصيبة الأكبر هي الرد»، ولأسباب عديدة أبرزها:

ــ الإسرائيلي غير قادر على ضمان الانتصار بأيّ حرب قد يخوضها مع «حزب الله»، لا بل لن يستطيع تقدير حجم الهزيمة التي يمكن أن يُمنى بها.

ــ ليست الجهوزية العسكرية هي وحدها التي تحدّد قرار الحرب. ما يُسمّى باستعداد الجبهة الداخلية يلعب دوراً حاسماً أيضاً.

ــ ليس نتنياهو مستعداً لتكرار تجربة إيهود باراك. حيث لم تمض حرب العام 2006 إلا وكان خارج السلطة.

كل النقاط التي سعى نتنياهو إلى ربحها من عملية القنيطرة خسرها أمس. ربما وافق على العملية لأسباب انتخابية، لكنّه لم يقدر عواقب التحرّش بإيران في ذروة تقاربها مع الولايات المتحدة. وحتى إذا كانت العملية تستهدف عرقلة الاتفاق النووي نفسه أو تأخيره، فإنّه اكتشف سريعاً أنّها قطعت أشواطاً يصعب عليه فرملتها بعملية أعطت المشروعية لوجود إيران على حدودها.

هل ما تزال حظوظ نتنياهو هي نفسها؟ لم يسمح الوقت الضيّق بإجراء استطلاعات رأي في إسرائيل، لكن التحليلات الأولية جعلته في موقف حرج. وللمفارقة، فإن ذلك هو أكثر ما يتمناه الرئيس الأميركي باراك أوباما. لو يستطيع لما قصّر في مباركة عملية «حزب الله». فالحزب قدّم له هدية من ذهب، منهياً، أو يكاد، فرص نتنياهو في إعادة انتخابه. فعلها الحزب وأيّدها أوباما، بشكل غير مباشر، كما لو أنه كان شريكاً فيها.

قبيل الانتخابات الإسرائيلية التي تجري في 17 آذار المقبل، وصل الخلاف بين الرجلين إلى حدّه الأقصى. لم يحتمل أوباما سعي نتنياهو إلى جعل الكونغرس يسنّ قوانين لفرض عقوبات جديدة على إيران. وصل الأمر بالرئيس الأميركي إلى التهديد بالفيتو على أيّ قرار من هذا النوع. ولم يكتف بذلك، ففي أعقاب الدعوة التي تلقاها نتنياهو لإلقاء خطاب أمام الكونغرس، انتقد البيت الأبيض الطريقة التي وجهت فيها الدعوة، وأصدر بياناً أعلن فيه أن الرئيس أوباما ووزير خارجيته جون كيري لن يلتقيا نتنياهو خلال زيارته إلى واشنطن. أمس أعاد أوباما التأكيد على ذلك الموقف، معتبراً أن من غير اللائق لقاءه قبل أسبوعين من الانتخابات.

(السفير)