رُفع العلم ذو الألوان الثلاثة على برجٍ مطل على مدينة عين العرب السورية غداة الإعلان عن سيطرة «وحدات حماية الشعب الكردي» على 90 في المئة من المدينة، وهو ما باركه بيان صادر عن القيادة المركزية الأميركية في الشرق الوسط والتي يقع أحد مقراتها على مقربة من الحدود السورية ـ التركية، التي كانت في البداية «حذرةً» في التعاطي مع خبر تحرير المدينة السورية. غير أنها لم تخفِ فرحتها بإنجازٍ أمّنه الغطاء الجوي الأميركي بعد 130 يوماً من الحرب على التنظيم الإرهابي المتطرّف داخل المدينة السورية التي أريد لها التحوّل إلى عنوانٍ لحرب أوباما على تنظيم «داعش» في سورية، بهدف التغطية على كل التفاصيل والأسئلة الأخرى المتعلقة بالهدف الحقيقي للحرب الأميركية الجديدة على الإرهاب، المتمثل فقط بتنظيم «داعش» وتحديداً في سورية.

وكعادتها، ركبت الصحافة الغربية الموجة واحتلّ خبر سيطرة الوحدات الكردية على المدينة حيّزاً من تغطيتها اليومية للأخبار حول حرب أوباما في سورية، ورُوّج لما جرى في عين العرب على أنه إنجاز للتحالف الدولي في الحرب على «داعش». فما جرى «يحرم الجماعة من واحدٍ من أهدافها الاستراتيجية» بحسب «لوموند» الفرنسية، كما أنه يؤكد «تراجع التنظيم في المنطقة»، خصوصاً في إحدى مدن «كردستان سورية» بحسب «ليبيراسيون» التي استرسلت في الحديث عن «نصر الأكراد» قائلةً: «انتصار الكرد، إضافة إلى بعده الرمزي، يبدو أيضاً ذا بعدٍ استراتيجي، فهو يحرم داعش من جزء كبير من الأراضي على طول الحدود التركية، تلك الحدود التي يمر عبرها المقاتلون الأجانب، كما أنها تشكل إيقافاً لتمدّد داعش في سورية».

مما لا شك فيه أن تصوير ما جرى على أنه إنجازٌ للتحالف الدولي يأتي في سياق تبرير حرب الاستنزاف في المنطقة عموماً وسورية خصوصاً، كما أنه يأتي في سياق تبرير الحرب الطويلة والمعقدة التي يروّج الأميركيون والغربيون لها على الدوام ضد التنظيم. فالتقدم موجود، والحرب مستمرة حتى إنجاز المهمة. لكن ما الهدف من وراء التبني الأميركي ما جرى في عين العرب؟

إن تراجع «داعش» في مدينة عين العرب يرسم حدود المهمة الأميركية في سورية التي هي حرب احتواء. فالتمدد مسموح باستثناء المناطق الكردية التي تراهن عليها الإدارة الأميركية في سياق، أولاً تفتيت وحدة الأراضي السورية وخلق ما يسمى «كردستان سورية» حتى لو اقتصر الأمر على «العبارة» بحدّ ذاتها في المرحلة الأولى، وتجدر الإشارة هنا إلى أن «ما بين أيلول ونهاية كانون أول من عام 2014، قامت طائرات التحالف بـ 428 طلعة جوية فوق مدينة عين العرب، تشكل أكثر من 75 في المئة من مجموع الطلعات الجوية للتحالف فوق سورية في عام 2014» بحسب «ليبيراسيون» الفرنسية. وثانياً، اللعب على الورقة الكردية المنظّمة جيّداً في تطويع حزب العمال الكردستاني عبر الملف السوري وتحويله من كيان معادٍ للمصالح الغربية والأميركية، إلى كيانٍ يعمل على خدمة الأجندة الأميركية في سورية، والقائمة على فكرة «المعارضة المسلّحة المعتدلة» في سورية وتدريبها لمواجهة «داعش» في المرحلة الأولى، تمهيداً لاستخدامها كورقة مساومة في أيّ مفاوضات مستقبلية حول تقاسمٍ ما للسلطة في البلاد. أمرٌ التقطه الرئيس السوري بشار الأسد جيداً في مقابلته مع مجلة «فورين آفيرز» الأميركية، إذ رأى أنّ أيّ قوات مدعومة مرتبطة بالخارج حتى لو كانت الولايات المتّحدة الأميركية، هي «قوات عدوّ»، فضلاً عن رؤيته الأوضاع في عين العرب، إذ حاول سحب البساط من أيّ محاولة لإنجاز أميركي محتمل في الحرب على «داعش»، بإشارته إلى أنّ المدينة عين العرب التي يبلغ عدد سكانها خمسين ألف نسمة، لا تحتاج إلى كل هذا الوقت والجهد لاستعادتها. فالجيش السوري يستطيع استعادتها «في غضون أسبوعين أو ثلاثة»، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، تحاول الإدارة الأميركية توظيف ما جرى في عين العرب في محاولتها لامتلاك أوراق ضغط تستخدمها عند الحاجة في مواجهة تركيا حزب العدالة والتنمية، التي تتخذ الموقف الأكثر تطرّفاً في الحرب على سورية، وتدعم «داعش» بشكل مباشر وعلني. فما جرى في عين العرب يعزّز قوة حزب العمال الكردستاني على جانبَي الحدود السورية ـ التركية كون وحدات ما يسمى «حماية الشعب الكردي» محسوبة على أنقرة، التي من الواضح أنها لم تنتظر حتى استكمال تحرير المدينة نهائياً، إذ خرجت لتنبه من نوايا أميركا في «كردستان سورية» وعلى لسان رئيسها رجب طيّب أردوغان الذي قال: «لا نريد كردستان جديدة في سورية عقب سيطرة المقاتلين الكرد على عين العرب».

(البناء)