Get Adobe Flash player

 

أحالت الحكومة الى مجلس النواب مشروع قانون موازنة 2018، متجاوزة كل المهل الدستورية. وسيبدأ مجلس النواب مناقشة هذا المشروع وإقراره قبل موعد اجتماع باريس-4 في السادس من نيسان المقبل، لأن إقراره «شرط»، وقبل تقديم حسابات الدولة المالية (قطع الحساب) العالقة منذ تصفير هذه الحسابات في 1993، وهو بذلك سيقوم بعمل مخالف للدستور، على غرار ما قام به العام الماضي عند إقرار قانون موازنة 2017 للمرة الاولى بعد 11 عاماً .

التذكير بهذا الواقع الذي يحكم المالية العامة منذ 25 عاماً، يبدو ضرورياً لقراءة أرقام الموازنة، على الاقل، كي لا تأخذنا الاحتفالات الجارية بهذا «الإنجاز» ونصدّق أن فيه فعل «بطولة». فما جرى في مجلس الوزراء، أمس، لا يمكن وصفه الا بعملية تجميل من النوع الذي يترك ندوباً لبعض الوقت. فالإنفاق الفعلي (بعد إضافة 1.9 مليار دولار لدعم أسعار الكهرباء) سيبلغ 17.2 مليار دولار، بزيادة 1.9 مليار دولار عن الانفاق المقدر في العام الماضي، وستزيد الايرادات 1.7 مليار دولار، بحسب الارقام الواردة في المشروع الذي قدّرت الايرادات المحققة في العام الماضي بنحو 10.7 مليارات دولار، أي إن العجز الفعلي سيرتفع 1.2 مليار دولار، ولن ينخفض بأي قرش، كما ردّد رئيس الحكومة ووزير المال ووزراء آخرون بعد الجلسة.

قامت عملية التجميل على إخفاء مبلغ دعم أسعار الكهرباء، لإظهار العجز الاسمي أقل بـ200 مليون دولار فقط عن العجز الفعلي المحقق في العام الماضي، وهذه هي قيمة التخفيضات الحقيقية، التي طالت تحديداً النفقات التشغيلية للادارات العامّة، وهو ما سيزيد من وهنها وضعف إنتاجيتها.

في المقابل، زاد الإنفاق على خدمة الدين العام 300 مليون دولار، من 5.1 مليارات دولار (محقّق عام 2017) الى 5.4 مليارات دولار، وباتت قيمته تتجاوز قيمة الانفاق على الرواتب والاجور ومعاشات التقاعد، التي بلغت نحو 5.2 مليارات دولار.

تشكّل خدمة الدين العام ثلث الموازنة تقريباً، وهي كانت ستزداد أكثر، بحسب المشروع السابق للموازنة، لولا أن عملية التجميل طالتها أيضاً. فقد قرر مجلس الوزراء، بالاتفاق مع مصرف لبنان، على إجراء عملية «سواب»، عبر استبدال سندات دين تستحق هذا العام، بفائدة بين 6 و7%، بأخرى يشتريها مصرف لبنان بفائدة 1%، أي، بمعنى أوضح، سيقوم مصرف لبنان، كالعادة، بتسجيل خسائر في ميزانيته على حساب المال العام بدلاً من تسجيلها في الموازنة.

ماذا يعني ذلك؟

تؤكد حسابات وزارة المال المجمّعة منذ عام 1993 أن خدمة الدين هي مصدر العجز الرئيس، وهي استأثرت حتى الآن بنصف الضرائب والرسوم التي سدّدها اللبنانيون للدولة، وهي المسؤولة عن زيادة الدين العام، وبالتالي هي لبّ الازمة المالية، التي يجري الحديث عنها الآن.

باتت المصارف توظّف نحو 60% من مجمل موجوداتها لدى الحكومة ومصرف لبنان، وبالتالي بات المال العام هو مصدر ربحيتها شبه الوحيد، ولا سيما في ظل تزايد مخاطر التسليف العقاري والاسواق الخارجية، وهي تخشى أن يؤدّي ارتفاع الانفاق العام الى تقويض قدرة الدولة على السداد.

لقد استحوذ دائنو الحكومة (من دون مصرف لبنان) على 77 مليار دولار في السنوات الـ25 الماضية، ما أسهم في زيادة رساميل المصارف من 144 مليون دولار في عام 1992 الى أكثر من 20 مليار دولار حالياً، وراكم ثروات هائلة لعدد ضئيل جداً من الناس، إذ إن 1% من السكان فقط يستأثرون وحدهم بربع هذا الدخل، وتمكنوا من الاستحواذ على 40% من الثروة. وعلى الجهة المقابلة، يعيش أكثر من نصف السكان في ظل الحرمان الاقتصادي، وأكثر من ثلث الأسر عاجزة عن إشباع الحد الادنى الضروري من حاجاتها، أي إنها محرومة من رعاية الدولة، ولا سيما على صعيد السكن والصحة والتعليم، بالإضافة الى الدخل.

الحديث عن أزمة مالية في حالة النقاش في الموازنة والعجز هو حول هذه القسمة تحديداً، الرابحين والخاسرين، ومن منهم سيتحمل فاتورة الاستمرار في خدمة الدين العام وزيادته وزيادة ربحية المصارف وحثّها على جذب المزيد من الودائع. هل هم المحرومون الذين يحتاجون الى الدولة وخدماتها وتتناقص حصتهم من الدخل، أم الذين لا يريدون الدولة إلا لزيادة حصتهم؟

حصيلة أمس تقول إن مصرف لبنان سيتحمل جزءاً من كلفة الزيادة الآن، أي سيتحمّلها المال العام، في انتظار ما سيفرزه اجتماع باريس ــ 4 والانتخابات في أيار ومشروع موازنة العام المقبل.

(الاخبار)