عشية الانتخابات التشريعية اليونانية، منحت استطلاعات الرأي الأخيرة 32.5 في المئة من أصوات الناخبين اليونانيين للحزب اليساري «سيريزا». وعلى رغم أنّ النتيجة لا تعطي الغالبية الساحقة للحزب اليساري، أي 150 مقعداً من أصل 300 تشكّل البرلمان اليوناني، إلا أن فوز الحزب في الانتخابات وتشكيله حكومة ائتلافية أو حكومة أقلية حاكمة برئاسة آلكسيس تسيبراس، صارا بات في حكم المؤكد. ما يؤسّس لقطيعة مع سياسات الحكومة اليمينية الحالية في اليونان تتجاوز هذا البلد المحكوم بقوانين البنك المركزي الأوروبي برأسه الألماني والمفوضية الأوروبية والبنك الدولي، ليشمل القارة الأوربية ككل. فما هي تداعيات الانتصار على دول الاتحاد الأوروبي؟

يقوم برنامج «سيريزا» وقائده الشعبوي على وضع حدّ للتقشف الذي فرضته ألمانيا، المتحكمة بالمؤسسات الاقتصادية الأوروبية، لإخراج البلاد من إفلاسها، وإعادة التفاوض حول الدين اليوناني لأوروبا والبالغ 321.7 مليار يورو، أي ما قيمته 175 في المئة من إجمالي الناتج القومي اليوناني، وتعديل هيكلية سداد الديون ومعدلات الفائدة للبنك الأوروبي والتي تتجاوز 12 في المئة من الثروة الوطنية اليونانية. ولعل النقطة الأهم في برنامج الحزب الذي يصفه بعض الإعلام الأوروبي بـ«الإغريقي»، هو التلويح بإمكانية الخروج من منطقة اليورو، أي العملة الأوروبية الموحدة وإعادة «يوننة» العملة داخل حدود اليونان في وضع مشابه لما جرى مع المملكة المتحدة، وحتى مع السويد والدنمارك في تسعينات القرن الماضي. ما من شأنه أن يوجّه صفعة قوية للقيادة الأوروبية الحالية ويضع الاتحاد الأوروبي بدوله الثماني والعشرين في مواجهة أسئلة عدّة أولها وأهمها يتمحور حول دور الاتحاد المزدوج بالنسبة إلى اقتصادات منطقة اليورو، والانقسام الذي يتزايد يوماً بعد يوم في صفوف النخب كما الشعوب حول جدوى تحمّل الاقتصادات الكبرى للأخطاء البنيوية التي تعصف باقتصادات الدول المستجدة في الحلف. وهنا تحضر مفاهيم تعود إلى ما قبل انهيار جدار برلين ما بين أوروبا المقسّمة بين غربية غنية رأسمالية ومتحضرة، وشرقية اشتراكية فقيرة ومتخلفة. ملفٌ لا يشكل بذاته نقطة ارتكاز خاصة بأحزاب اليسار الأوروبي، بل يتعداه في ظل وجود ملفات أخرى كالهجرة والإسلاموفوبيا والتمدد «الجهادي» على بوابات الاتحاد الأوروبي في المتوسط، ليصبح عاملاً مشتركاً يدفع القارة الأوروبية إلى مزيد من التطرّف ما بين يمين قوميّ وبعض نازيّ، ويسار متطرّف. والجميع يحاولون خطب ودّ الناخب الأوروبي استناداً إلى الواقعية من جهة، والشعبوية من جهة أخرى.

يشكّل الفقر أساس الصعود الناشط لحزب «سيريزا» في اليونان. هذا الصعود الذي ستصبغه انتخابات اليونان بالشرعية اللازمة التي تثير قلق العواصم الأوروبية من «ثورة» بحسب التعبير الذي استخدمته «ليبيراسيون» الفرنسية في افتتاحيتها والتي رأت أن «انتصار سيريزا سيجبر قادة الاتحاد الأوروبي على العودة قليلاً إلى ضمائرهم, في ظل سياسات قاسية أوصلت اليونان إلى ما نشهده اليوم من انخفاض لا مثيل له في القوة الشرائية، وارتفاع غير مسبوق في معدّل الوفيات، فضلاً عن البطالة».

ما سبق لا يقف عند تكهنات إعلامية، بل يتعدّاه إلى اليسار الأوروبي عموماً والذي يرى في صعود «سيريزا» وأرجحية فوزه في انتخابات اليونان انتصاراً رمزياً لليسار الأوروبي يحرّض بعض الأحزاب اليسارية على الأخذ بزمام المبادرة. فهي ترى في ما جرى دعماً شعبياً لنضالها ضد السياسات الصارمة لمنطقة اليورو والحكومات اليمينية التي تسيطر على الحكم في كامل أنحاء أوروبا تقريباً في ظل توقعات بعودة الركود الاقتصادي العالمي إلى واجهة الأحداث في العام الحالي. وهو ما تلقفه جيداً قادة اليسار في أوروبا، ففي إسبانيا التي تعيش هي الأخرى على وقع أزمة مالية، رأى بابلو إيغليسياس رئيس حزب «بوديموس» اليساري أن ما يجري في اليونان يشكل «عودةً للسيادة الوطنية» إلى دول الجنوب والتي قوّضت نتيجةً للأزمة المالية العالمية. أما جان لوك ميلانشون أحد قادة جبهة اليسار الفرنسي, فقد أشار إلى «أثر الدومينو» على أوروبا، متحدثاً عمّا سمّاه «الربيع الأوروبي» في استذكار «ربيع عربي» لا يحمل من الربيع سوى اسمه.

المؤكد أن «سيريزا» صار بحكم المنتصر. والمؤكد أكثر أن المشكلة اليونانية عادت إلى واجهة أزمات الاتحاد الأوروبي الذي سيجد نفسه مجبراً على التفاوض مع يسار راديكالي منتخب يريد أن «يتفاوض بكرامة وندّية مع الشركاء الأوروبيين» بحسب آلِكسيس تسيبراس، ويضع أوروبا ما بين اتفاق مشرّف حول الديون اليونانية، أو خروج من منطقة اليورو، أو حتى خروج من الاتحاد الأوروبي بمؤسّساته كلّها.

(البناء)