Get Adobe Flash player

 

سؤال لاستطلاع رأي يتوسّط الصفحة الأولى من صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية اليمينية الموالية لحزب «الاتحاد من أجل حركة شعبية» الذي يترأسه الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي: «هل يتوجب منع الجهاديين الفرنسيين في سورية من العودة إلى فرنسا؟». أجاب 96 في المئة بنعم يجب منعهم، فيما رفض 4 في المئة الاقتراح.

قد تبدو نِسب استطلاع الصحيفة السابق لدى البعض لا تعبّر عن حقيقة موقف الشارع الفرنسي، فالصحيفة تستقطب اليمين الفرنسي المعارض للحكومة الاشتراكية الحاكمة، وبالتالي لسياسات الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند. لكن يجب أن نأخذ بالاعتبار عاملين يجعلان من هذه النتيجة إنذاراً استباقياً لطبيعة توجّه المجتمع الفرنسي بقاعدته ونخبه. الأول يتعلق بكون هولاند وحكومته يعدان الأقل شعبية في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة، وبالتالي فإن حجم التأييد لسياسات اليمين يتجاوز قاعدة اليمين واليمين المتطرّف إلى فئات أخرى في المجتمع الفرنسي. أما العامل الآخر، فيتعلق بكون حظوظ اليمين في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، خصوصاً حزب «الاتحاد من أجل حركة شعبية»، تعد راجحةً على فرص الحزب الاشتراكي الفرنسي للاحتفاظ بالسلطة، وبالتالي فإن طريقة مقاربة الملف السوري، أو«الجهاديون الفرنسيون في سورية» على وجه الخصوص، تحمل في طيّاتها توجهاً لا يقل خطورة عن سياسات الحزب الاشتراكي الحاكم الذي يتجه إلى تشديد سياسته وقوانيه المتعلقة بمكافحة «الشبكات الجهادية» في البلاد عبر سلسلة من الإجراءات أهمها: إنشاء ملف خاص للمدانين بالإرهاب أو المشاركين في العمليات خارج فرنسا. عزل السجناء المنتمين إلى الجماعات الإسلامية المتطرّفة عن بعضهم وعن غيرهم من السجناء. تبنّي اقتراح حزب «الاتحاد من أجل حركة شعبية» القاضي بتجريد من تثبت إدانته «بإهانة الكرامة الوطنية» توازي إضعاف الشعور القومي في دولنا من حقوقه المدنية والسياسية.

قد يرى بعض المراقبين في التعديلات السابقة على قانون مكافحة الشبكات الجهادية في فرنسا استبعاداً لاقتراح اليمين بمنع عودة الإرهابيين الفرنسيين من سورية إلى فرنسا. لكن تجربة تشديد الإجراءات الأمنية الداخلية في ما يخص «الشبكات الجهادية» في أوروبا، تبقى غير مجدية، وقاصرة كونها لا تقترن بجهد جدّي لمعالجة مشاكل التمويل والعبور عبر تركيا وتطبيق القرار 2170 الصادر عن مجلس الأمن الدولي. كما أنها لا تقترن بإرادة سياسية صادقة لتغيير السياسات المتّبعة في سورية، وهو أمر تثبته استطلاعات الرأي التي توّجت فرنسا على رأس الدولة الأوروبية «مصدّرة القَتَلة» إلى سورية.

وتحت عنوان «زيادة كبيرة في أعداد الجهاديين الفرنسيين» في سورية، ذكرت صحيفة «لوفيغارو» أنّ «العدد الإجمالي للفرنسيين الذين تورّطوا في الجهاد ارتفع من 555 إلى 1281 بين 1 كانون الثاني 2014، و16 من الشهر الجاري، بزيادة نسبتها 130 في المئة سنوياً. ووفقاً لتقرير سرّي فإن ما لا يقل عن 393 فرنسياً انتقلوا للقتال في سورية قبل أن تتمكن الشرطة من توقيفهم بزيادة قدرها 75 في المئة مقارنةً بالأول من كانون الثاني 2014».

الخلافات بين اليمين واليسار في فرنسا، أو حتى بين الأحزاب السياسية كافة على تفاصيل الخطة الأمنية لمعالجة ارتدادات هجمات باريس التي راح ضحيتها سبعة عشر شخصاً، لا تخرج في سياقها العام عن سياق اللعبة الداخلية في حصد النقاط أمام الرأي العام. فيما الخطوط الحمراء في الملف السوري تبقى على حالها. فلا تغيير حقيقياً في المدى المنظور, فيما وضعت هجمات باريس النخب الساسية الفرنسية بين احتمالين: فإما ترك الوضع على حاله بالنسبة لحركة سير الإرهابيين الفرنسيين من وإلى سورية مع تحمل تبعات قيامهم ببعض الأعمال التخريبية في الداخل الفرنسي, أو الاتجاه إلى السماح بمغادرة فرنسا من دون رجعة. وبالتالي إعطاء المغادرين حجةً أقوى للاستمرار في لعبة التدمير والقتل في سورية حتى الرمق الأخير.

(البناء)