Get Adobe Flash player

 

تغيير قواعد الاشتباك السائدة على الجبهة السورية مذ عام 1974 صار في حكم المؤكد، ليس بسبب العملية الصهيونية التي أدّت إلى اغتيال كوادر من حزب الله والحرس الثوري الإيراني، بل بسبب الإصرار «الإسرائيلي» على تغيير قواعد اللعبة في الجولان وفي منطقة فصل القوات، إذ بدأ الأمر على شكل «أنسنة» تغيير الوضع في الجولان عبر علاج الإرهابيين المرتبطين بـ«إسرائيل»، ثمّ التنسيق والدعم اللوجيستي هو ما اعترف به تقرير للأمم المتحدة صدر أواخر السنة الماضية، إذ أشار إلى «وجود تنسيق مستمر» بين عسكر الاحتلال والميليشيات المسلحة في الجولان السوري. تنسيقٌ أشار إلى خطورته وحساسيته أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في مقابلته مع قناة «الميادين»، واضعاً في حساباته المعلومات التي يملكها من المقاومة حول النشاط «الإسرائيلي» اليومي في الجولان.

الأمر لا يقف عند هذا الحدّ، فسيطرة الإرهابيين على «تل الحارّة» الاستراتيجي، والذي لم تستطع «إسرائيل» السيطرة عليه في حرب تشرين عام 1973، فتح الباب واسعاً أمام سبر حجم الدور الصهيوني أولاً، والأردني الصهيوني ثانياً، في الحرب التي تستهدف فرض حزام أمنيّ غير معلن في جنوب سورية. فما قيل عن اختراق في «تل الحارة» لا يكفي وحده للسيطرة عليه لو لم يكن هناك هجوم منسّق بشكل مباشر مع قيادة عمليات الاحتلال. هنا يختلف التعاطي الصهيو ـ أردني مع هذا الملف عن التعاطي التركي الذي يريد تشريع المنطقة العازلة أو الحزام الأمني. بينما تنظر «تل أبيب» وعمان إلى الأمر باعتباره ضرورة تستوجب فرض أمرٍ واقع من دون الحاجة إلى استغلال الورقة سياسياً ومعنوياً في الوقت الحالي.

«إسرائيل» لاعبٌ أصيل في الأزمة السورية بشقها الداخلي البحت، ولاعبٌ أكثر أصالة في الصراع على سورية، هذا الصراع الذي يتجاوز الدور الوظيفي السياسي للكيان السوري إلى الجغرافيا السوريّة وهنا الأهم. فالكيان الصهيوني يريد حزاماً أمنياً مرتبطاً به بشكل مباشر وقريباً من العاصمة دمشق. فيما يحاول محور المقاومة توسيع جبهة المواجهة مع الكيان الصهيوني ونقل الجولان المحتل من الكمون المستمر منذ أربعة عقود إلى التحريك الذي يوسّع مساحة الجبهة الشمالية ويفسح في المجال أمام توسيع جبهة المقاومة لتحقيق جملة أهداف في مقدّمها مقاومة الجولانيين المسلحة بما يساهم في سحب ورقة «مذهبة المقاومة» من يد المحور الصهيو ـ أميركي، وشنّ حرب استنزاف ضدّه.

وضمن هذا السياق، تبرز العملية التي قامت بها الطائرات الصهيونية في الجولان باعتبارها عملية استباقية تهدف إلى إحراج محور المقاومة في الدرجة الأولى، وتأخير تحريك جبهة الجولان في الدرجة الثانية.

إن وجود قادة ميدانيين مهمين إلى جانب عميد من الحرس الثوري الإيراني في الموكب الذي استهدف من جانب الكيان الصهيوني، يعكس حجم العمل الذي تشهده جبهة الجولان في سورية، والأولوية التي اكتسبتها في ضوء تغيير الكيان الصهيوني قواعد الاشتباك فيها. تغيير استوجب تحرّك المحور المقاوم لأخذ زمام المبادرة وإطلاق المقاومة الشعبية في الجولان التي أشار إليها الرئيس بشار الأسد في السنة الثانية من الأزمة السورية، وربما تسارعت الخطى في الآونة الأخيرة لإطلاقها وتدشين عملياتها، وهو ما أخّرته الغارة.

وبانتظار ردّ حزب الله، فإن الجبهة في الجولان صارت رأس حربة في جبهة المقاومة وهو ما يعني أن القرار فيها أضحى خاضعاً لحسابات محور المقاومة ككل لا فقط سورية. ولعل في بيان نعي الحرس الثوري الإيراني العميد محمد عليّ الله دادي ما يشير بوضوح إلى ذلك، فالعميد كان في «مهمة استشارية» واستشهد في «جغرافيا المقاومة الإسلامية».

(البناء)