Get Adobe Flash player

 

منذ عام 2001، تطور أداء تنظيم «القاعدة» وتمدّد بشكل لم يسبق له مثيل، فالتدخل الأميركي كان العامل الأبرز وراء هذا التمدّد، والبروباغندا الإعلامية لعبت دورها في ذلك الوقت، وما زالت تلعبه حتى الآن، فتضخيم الخطر «الجهادي»، وإحلال التنظيم الخارق محل الإنسان الخارق «سوبرمان» زادا بشكل تلقائيّ أعداد المعجبين والراغبين والداعمين والمنضوين تحت ألوية التنظيمات الإرهابية بمختلف مسمياتها. وكما برزت «القاعدة» علامةً تجارية مسجّلةً وعنواناً عريضاً «للتطرف الجهادي» ما بين أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين، يبرز اليوم تنظيم «داعش» أو ما يحلو للغرب تسميته «الدولة الإسلامية» معلناً الخلافة على بلاد الشام والرافدين كمرحلة أولى، ومفترقاً في البيعة عن «القاعدة» التي يقودها الظواهري، أمرٌ ظهّر صورةً للإرهاب العالمي بين «قاعدتين» قديمة أو تقليدية بقيادة أيمن الظواهري، وأخرى جديدة بقيادة البغدادي، وهو ما أفرز صراعاً واضحاً على النفوذ على مستوى الشرق الأوسط وتحديداً في مسرحي الفوضى الرئيسيين في سورية والعراق، لكن بالتوازي مع هذا الصراع. ومع التطورات الأخيرة في باريس، برز معطىً جديد يشير إلى وجود نوع من التنسيق أو بالحد الأدنى تبادل الأدوار بين «القاعدة» و«داعش» في ما يخصّ التمدّد في القارة الأوروبية. فالأخوان كواشي تأثّرا مباشرةً بفكر «القاعدة في شبه جزيرة العرب» وتدرّبا في اليمن وفقاً لبعض التسريبات الإعلامية الفرنسية، كما أن مرتكبَيْ مذبحة مجلّة «شارلي إيبدو» الساخرة في وسط باريس، تلقّيا تعاليمهما و«عضو خليتهما» الأفريقي كاليبالي على يد «خالد بيغال» في سجن فلوريميروجيس، وهو متطرفٌ ينتمي إلى جماعة «التكفير والهجرة» ولا يزال قيد الإقامة الجبرية في فرنسا حتى اللحظة. ومع ذلك، وعلى رغم الشراكة الواضحة التي تربط بين الأخوين كواشي وكاليبالي، إلا أن شريط الفيديو الذي بثَّ لهذا الأخير يكشف عن تعارض ظاهري في البيعات بين شركاء الخلية الإرهابية في فرنسا. فالأخوان كواشي يبايعان «القاعدة»، فيما كاليبالي بايع «الخليفة» البغدادي ودولته المزعومة، وهو ما يطرح عدداً من التساؤلات أهمها: هل نحن أمام شكلٍ من أشكال الصراع بين الأجيال الجديدة للإرهاب العالمي؟ أيهما أخطر تنظيم «القاعدة» أم تنظيم «داعش»؟

ترى صحيفة «لوموند» الفرنسية أن «الضجة الإعلامية» التي رافقت صعود «داعش» ساهمت إلى حدٍ كبير في «تقليل أهمية» تنظيم «القاعدة» من جانب السلطات السياسية، وليس بالضرورة الأجهزة الأمنية. وهنا نلاحظ غمزاً من قناة تحميل الطبقة السياسية مسؤولية ما يجري في الغرب، لا الأجهزة الأمنية كما فعل باتريك كوكبرن في «إندبندنت» البريطانية، ما يعكس بدوره حجم الانقسام بين النخب الحاكمة داخل أوروبا حول موضوع الخطر الذي صار يشكّله «القَتَلة الأوروبيون» على أمن القارة العجوز، فـ«القاعدة» تطلّ برأسها من جديد والخلاف في الولاء بين أعضاء الخلية الواحدة في فرنسا يكشف عن عدم تعارض الهدف بين التنظيمين، على رغم تعارض المنهج هذا أولاً. وثانياً يكشف عدم تراجع «القاعدة» وفكرها وأدواتها على المستوى العالمي كما حاول الإعلام الترويج له عبر التعتيم عليها والتركيز بدلاً منها على «داعش» فقط، والحرب عليها لأسباب تخدم حرب أوباما في سورية والعراق.

وحدة القتل والذبح وإلغاء الآخر تجمع «القاعدة» التي تتمدد وفكرها، وتسيطر على مناطق جغرافية بعينها وتسعى إلى السيطرة على مناطق جديدة مع اكتمال إعداد آلات القتل والذبح الأوروبية في سورية وعودتها إلى أوطانها لهدايتها. وهنا لا يعود السؤال عن مدى أرجحية خطورة طرف على آخر ذي أهمية، فـ«القاعدة» و«داعش» خطران، أحدهما كواشي والآخر كوليبالي، أعضاء في خلية واحدة.

(البناء)