قللت الحكومة السعودية والإعلام السعودي، أو الإعلام المموّل سعودياً من أهمية الهجوم الذي تعرّضت له مراكز حرس الحدود بالقرب من مدينة عرعر الواقعة قرب الحدود العراقية، وصوّرت ما جرى على أنه مجرّد حادث فردي، ولا يحمل مخاطر كبيرة.

وعلى الرغم من أنّ سلوك الحكومة السعودية منذ فترة يعكس قلقاً شديداً من تعاظم خطر التنظيمات الإرهابية تجلى أولاً، بنشر أكثر من 30 ألف من عناصر حرس الحدود على الحدود المشتركة مع العراق، وبناء سياج إلكتروني عازل على امتداد الحدود، وعلى الرغم من تصنيف الكثير من التنظيمات المتشدّدة على أنها تنظيمات إرهابية، وعلى رأسها تنظيما «داعش» و«النصرة»، وشنّ «هيئة كبار العلماء» إضافةً إلى الإعلام السعودي، حملةً ضدّ الإرهابيّين والذين يفتون لمصلحة التنظيمات المتشدّدة، إلا أنّ الإعلام السعودي والتصريحات الرسمية ظلت تقلل من أهمية هذا الهجوم ومثيله من الهجمات الأخرى، بما لا يتناسب مع سلوك الحكومة السعودية الذي يعكس بوضوح قلقاً شديداً من تعاظم خطر التنظيمات المتشددة.

قد يكون هجوم عرعر هو الهجوم الأول والأبرز والذي أدّى إلى سقوط ضحايا بينهم قائد حرس الحدود في المنطقة، التي تقع على الحدود العراقية – السعودية، لكنه ليس الهجوم الوحيد الذي تعرّضت له القوات الأمنية السعودية فقد سبق هذا الهجوم هجمات أخرى داخل المملكة منها الهجوم على مجلس عزاء في عاشوراء شرق المملكة، وهجمات أخرى على مواقع عسكرية قرب الحدود اليمنية.

وهذه الهجمات تؤكد أنّ الهجوم الأخير لم يكن حادثاً فردياً، كما يحاول أن يصوّر الإعلام السعودي، أو الإعلام المموّل سعودياً، وان هذه الهجمات هي طلائع موجة إرهابية جديدة تستهدف المملكة وسوف تختلف في حجمها ومستوى المشاركة فيها وتأثيرها على الوضع الأمني عن الهجمات التي نفذها تنظيم «القاعدة» في عقد التسعينات وفي العقد الأول من القرن الجديد، وذلك لأنّ عناصر «القاعدة»، ولاسيما السعوديون منهم، يتمركزون الآن قرب الحدود السعودية على جبهتي اليمن والعراق، ولأول مرة تكون لديهم قواعد آمنة، ويحصلون على دعم مالي وعسكري وتدريب ملائم يجعلهم في وضع قادرين معه على تحقيق بعض تطلعاتهم.

الوضع هذه المرة يختلف عما كان عليه الحال بعد عودة الأفغان العرب والموجة الأولى من الهجمات الإرهابية التي تعرّضت لها المملكة، في ذلك الوقت لم تكن مشاركة السعوديين في أفغانستان قد وصلت إلى هذا المستوى من مشاركة السعودية في العراق وسورية واليمن، كما لم تكن لدى الجماعات المتطرفة القدرات المالية والعسكرية والخبرة التي حازت عليها الآن، كما أنه كان من الصعب عليها التمركز قرب الحدود السعودية في ضوء وجود سلطة قوية في العراق واليمن.

الآن تبدّلت كلّ هذه المعطيات، وبالتالي فإنّ موجة الإرهاب الجديدة أبعد من أن تكون أعمالاً فردية، وتشكل تهديداً حقيقياً للاستقرار في السعودية.

(البناء)