يؤكد سياسي لبناني عاد حديثاً من واشنطن، أن الضجيج اللبناني بكل تفاصيله يكاد لا يكون مسموعا في الولايات المتحدة الاميركية، فالاولويات والاهتمامات الجدية في مكان آخر من العالم، أما لبنان ففي آخر السلّم لم يأت دوره بعد!

لكن الاولوية الاميركية المعمول بها حاليا تجاه لبنان، على ما يقول السياسي المذكور، تبقى في منع انهيار الوضع الهش وتثبيت حال الاستقرار على ما هو عليه حتى تحين اللحظة الاميركية المناسبة للتدخل الجدي ووضع الملف اللبناني على النار. ومن هنا كان وضع لبنان في عين الرعاية الاميركية الاستخبارية، ومساعدته على كشف إرهابيين خطرين وإحباط عمليات إرهابية قبل تنفيذها. وذلك بالتوازي مع التأكيدات المتتالية للبنانيين ولكل المعنيين بالشأن اللبناني على المسلمة الاميركية القائلة: «ممنوع المس بالاستقرار في لبنان». وثمة رسائل أميركية بهذا المعنى وصلت مجددا الى لبنان بعد التفجيرين الانتحاريين في جبل محسن.

حتى اليوم، هناك قراءة أميركية تقليدية للوضع في لبنان مفادها: «لبنان مستقر، يعني لبنان ليس بيد حزب الله، وعدم الاستقرار فيه قد يصب في مصلحة حزب الله، إذ ان عدم الاستقرار، قد يرفع بالدرجة الاولى من مستوى المخاطر على اسرائيل، وبسبب اختلال ميزان القوة العسكري في الداخل، فقد يطيح حلفاء أميركا في لبنان».

وربطاً بهذه القراءة، يقول السياسي العائد من واشنطن إن الاميركيين وضعوا مشكلتهم مع «حزب الله» على الرف، أوقفوا هجومهم عليه، وأيدوا الحوار بينه وبين «تيار المستقبل»، لا بل هم شجعوا عليه، كما انهم أوقفوا التحريض على مشاركة «حزب الله» في الحرب في سوريا الى جانب بشار الاسد وصاروا يتفهمونه وإن كانوا لا يعلنون ذلك! ويلفت السياسي المذكور الى مسألة جديرة بالتمعن فيها عميقا والتي تجلت في مبادرة غير مسبوقة للسفير البريطاني في لبنان طوم فليتشر حينما اقتطف جملة من الخطاب الاخير للسيد حسن نصرالله وأوردها تغريدة له على «تويتر» وفيها: «الخيار الوحيد لدينا هو أن نعيش معاً، نتفق معاً ونتحاور».

هنا، يقول السياسي المذكور ان الموقف الاميركي الواضح والصريح يؤخذ من أفواه بعض السفراء الغربيين في بيروت الذين يعبرون عنه بكل صراحة: نحن نتفهم وجود حزب الله في سوريا.. ولنفرض انه لم يشارك بتلك الحرب، فأين كانت سوريا اليوم، وأين كان لبنان، وأين كانت حدود «داعش» و»النصرة» وكل الارهاب التكفيري؟

وينقل السياسي المذكور عن أحد السفراء قوله «لقد سمعت ما فاجأني من أحد النواب المسيحيين في تيار المستقبل: صار المسيحيون ينظرون بغالبيتهم الى حزب الله كمنقذ للمسيحيين، وانه لولا تدخله في سوريا لكان داعش على حدود المناطق المسيحية». وقد قال النائب المذكور لبعض زملائه ما حرفيته «دعونا نخفف على حزب الله، التطورات تسبقنا، وهناك تحوّل جدي في الشارع المسيحي».

واذا كانت القراءة الاميركية ترى مصلحة لـ «حزب الله» في عدم الاستقرار في لبنان، فإنها صارت أقل وقعاً من قراءة ثانية لدى الاميركيين أنفسهم ترى المصلحة الاكبر هي للارهاب التكفيري. وتبدو القراءة الثانية أكثر قربا الى الواقع على حد تعبير مسؤول لبناني يسارع الى ربط هذه المصلحة بأحداث توالت في لبنان وصولا التفجيرين الارهابيين اللذين وقعا في جبل محسن، ويقول: «المستهدف فيها هو الساحة السنية ومحاولة إرباكها للسيطرة عليها والإمساك بقرارها، ولعل الخاسر الاول هو سعد الحريري في ما لو كتب لهذا الهدف ان يتحقق».

في اعتقاد المسؤول ان الساحة السنية مأزومة، ومقسّمة الى مربعات: مربع سعد الحريري هو الأوسع باعتراف الجميع، مربع نجيب ميقاتي الآخذ بالاتساع أكثر فأكثر، مربع سنة «8 آذار» وفعاليته محدودة، ومربع المتشددين الذي فرض نفسه في السنوات الاخيرة.

في هذا الجو، يقول المسؤول المذكور، هناك صراع قائم على من هو صاحب الأمر في الساحة السنية بين «داعش» و «النصرة» و «التكفيريين» من جهة، و»تيار المستقبل» من جهة ثانية. وقد جاء تفجيرا جبل محسن في سياق محاولة لسحب البساط من تحت سعد الحريري، فهؤلاء المتشددون لا يمكن ان يقبلوا أن تؤخذ ساحتهم، أو ان يأتي الحريري ويحصد ما زرعوه في السنوات الماضية، تحت عنوان الاعتدال الذي يتغطى به تارة بالحوار مع ميشال عون وتارة اخرى مع «حزب الله» وتارة ثالثة باعتماد خطاب تحريضي وعنيف، ليس ضد «حزب الله» وسلاحه وتدخله في سوريا بل ضد أهله، وكل ذلك من أجل العودة الى السلطة. لذلك فإن التفجيرين محاولة لإرباك الحريري وتياره وجرّه الى معارك وتوترات جديدة لأنها تدرك انه لا يمكن ان يربح بهذه المعارك.

لهذا، يقول المسؤول، ان «تيار المستقبل أمام تحد كبير. هؤلاء قد لا يستسلمون، فقد يكررون محاولاتهم لخلق إرباكات أمنية ويمكن ان ينتقلوا الى أماكن اخرى، أو استهداف طوائف اخرى، أو الجيش مجددا أو مناطق تعتبر محسوبة على حزب الله. وليس بعيدا ابدا ان تكون العبوة التي عثر عليها أمس على طريق مجدليا ــ القبة من ضمن هذه الحلقة الجهنمية».

(السفير)