Get Adobe Flash player

 

حرب غوار على مشارف باريس لمطاردة الشقيقين كواشي، في غابات منطقة البيكاردي على تخوم باريس.

الشقيقان شريف وسعيد كواشي اللذان تقاسما تسجيل أكثر الهجمات الإرهابية دموية وعنفاً في فرنسا منذ نصف قرن مخلّفين وراءهما 12 قتيلاً في مقر صحيفة «شارلي إيبدو»، باتا يتقاسمان لقب عدو فرنسا الرقم واحد.

وعاشت فرنسا خلال الساعات الماضية على وقع بيانات وزارة الداخلية، التي لم تبخل بالتفاصيل الشيقة، للمطاردة المثيرة، في غابات منطقة البيكاردي شمال شرق باريس.

وعملت وسائل الإعلام والأمن والسياسيون معاً، خلف الكاميرات، لبث جرعات من التفاؤل لدى جمهور صدمته صور القتل على الطريقة «العراقية أو السورية» في قلب العاصمة باريس، عندما أجهز أحد الشقيقين على شرطي متوسّل ينازع الموت، فيما كان أصدقاء ضحايا «شارلي إيبدو» يروون لوسائل الإعلام شهاداتهم في رسامي الكاريكاتور الكبار القتلى «فولينسكي» و «كابو» و «تونيوس» و «شارب».

وتستعد «الليبراسيون» لاستضافة هيئة تحرير من الناجين لإصدار مليون نسخة من «شارلي ايبدو» الأسبوع المقبل، وتأمين حضورها، بعد تطوّع العشرات من الرسامين في فرنسا وايطاليا، وكندا، وأميركا، وإسرائيل، بأعمالهم مجاناً للصحيفة.

وعرضت وسائل الإعلام عناصر التحقيق بتفاصيله الدقيقة، وكيفية عثور المحققين على هوية المهاجمين بعد ساعة من المجزرة في «شارلي ايبدو»، التي لعب الحظ فيها دوراً كبيراً في إرشاد المحققين إلى ضالتهم في وقت قياسي فور وقوع الجريمة. وصرح وزير الداخلية برنار كازنوف أن البكر من الثنائي كواشي، سعيد، ترك بطاقة هويته في السيارة التي لاذ بها بالفرار بعد قتل هيئة تحرير «شارلي ايبدو» ، قبل أن يتخلى عنها على المدخل الشمالي الشرقي لباريس. وكان لافتاً أن يقول كازنوف إن «الأجهزة الأمنية قدمت تقريراً عن سعيد كواشي، ترسم فيه رجلاً نزقاً وعنيفاً ومتطرفاً ومعادياً للسامية».

ومثل تحالف الإعلام والسياسة مفاجأة في التعامل مع قضية من النوع الإرهابي. والأرجح أن كثافة الطَّرق الإعلامي أثارت بطريقة متباينة مشاعر من الرعب مما حدث، والثقة بأن الدولة تضطلع مع الأجهزة الأمنية والجمهورية بدورها، إذ تدفقت من دون رقابة كبيرة صور القتل التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، ولم تتدخل مقصات الرقيب لحذف مشاهد القتل بدم بارد وزخات الرصاص، وصيحات الله أكبر في قلب باريس، ولم تتوقف سرديات الشهود الذاهلة عن نقل عدوى الخوف إلى فرنسيين مصدومين مما جرى، لتعوّض استثناء صور موقع الجريمة، ومشاهد القتل والضحايا من النشر.

وظهرت قوات كثيفة من القوات الخاصة التابعة للدرك، مدججة بالأسلحة، وهي تقوم بعمليات تمشيط أمام الكاميرات، أو تفتش البيوت في قريتين لا تبعدان أكثر من 25 كيلومتراً عن مطار شارل ديغول، شمال العاصمة، فيما كانت طوافات الشرطة تمشط المنطقة بحثاً عن الفارين. وكان سعيد وشريف كواشي، اللذان يبحث عنهما أكثر من عشرة آلاف جندي في المنطقة الباريسية، قد تركا سيارة فرارهما الثانية في منطقة البيكاردي الغابية.

ولم تتوقف وسائل الإعلام عن استعراض سيرة الإرهابيين اللذين اتضح أن لا ثالث لهما، وبعد أن قام حميد مراد، المشتبه فيه الثالث بتسليم نفسه، والتثبت من عدم اشتراكه في العملية.

وبينت التحقيقات معرفة الأجهزة الأمنية الدقيقة بتعرجات الشقيقين، من محاولة أصغرهما شريف احتراف غناء «الراب»، فاعتزاله من أجل الإسلام السلفي «الجهادي»، الذي بسطه له داعية تونسي في باريس، فيما كان شقيقه يعمل في شبكة العام 2005، لتجنيد «مجاهدي» التهميش والبطالة، وإرسالهم إلى عمليات «القاعدة» الانتحارية في عراق العقد الماضي.

ونبشت الشرطة للإعلام سيرة الشقيقين اللذين قبع أكبرهما سعيد ثلاثة أعوام في سجن باريسي عقاباً على تجنيد «جهاديين»، والتحاقهما بداعية آخر هو أبو بكر حكيم، في تونس ما بعد الثورة لتلقي تدريبات عسكرية، تمهيداً لإرسالهما إلى سوريا. واتضح أن حكيم يمثل صلة الوصل بينهما، وبين تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» - «داعش»، الذي التحق به في سوريا.

وكان أبو بكر حكيم قد أمضى سبعة أعوام في السجن الفرنسي، قبل أن تتسلمه تونس في العام 2012، وتطلق سراحه حكومة «النهضة»، في العام التالي. وظهر حكيم، في شريط مصور في سوريا قبل عشرة أيام، باسم جديد هو «أبو مقاتل»، تبنى فيه عمليات الاغتيال التي هزت تونس قبل عام ونصف العام، وسقط برصاصها عضوا المجلس التأسيسي، شهيدا اليسار التونسي شكري بلعيد، ومحمد البراهمي.

ويواصل الرئيس فرانسوا هولاند تصدُّر مشهد الجمهورية الموحدة في الحرب على الإرهاب. ويتوالى على الاليزيه زعماء الأحزاب، والكتل النيابية، من دون استثناء، لتأكيد وحدة فرنسا إزاء التهديد الإرهابي.

وفيما انعقد مجلس أمني مصغر للمرة الثالثة، بالأمس، كان خمسيني مسلح، يطلق النار صباحاً في ضاحية مونروج جنوب باريس على شرطية سير، فيقتلها، ويجرح شرطياً بلدياً. وقالت الشرطة إنها لا تعتقد بوجد صلة بين الهجوم على «شارلي ايبدو» وحادثة مونروج . واضطر وزير الداخلية مساء إلى توجيه تحذير «لمن يحاولون الإساءة إلى مواطنين فرنسيين بسبب أصولهم العرقية أو انتمائهم الديني». وكانت ثلاث قاعات صلاة ومساجد في مقاطعات الاود، والرون، والسارت، قد تعرضت إما لإلقاء قنابل صوتية، أو لطلقات نارية، خلال الليل من دون أضرار تذكر. وتسود مخاوف حقيقية أن تتعرض مساجد وممتلكات عائدة إلى مسلمين فرنسيين لأعمال انتقامية.

والحال أن حالة التأهب الأمني القصوى قد فرضت نشر أكثر من 88 ألف جندي ورجل امن وشرطي. وامتدت منطقة حالة التأهب القصوى لتشمل إلى جانب المنطقة الباريسية، منطقة مطاردة الشقيقين كواشي في البيكاردي.

وقد لا يذهب الاستنفار الوطني الفرنسي بعيداً في تجميع الطيف السياسي الفرنسي كافة خلف هولاند، والمبادرة إلى تظاهرة وطنية تستنكر جريمة «شارلي ايبدو». إذ إن لجنة التحضير للتظاهرة استبعدت ممثلين عن «الجبهة الوطنية الفرنسية»، رغم أن الرئيس يستقبل اليوم مارين لوبن، زعيمة الحزب اليميني، الذي حقق 25 في المئة من الأصوات في الانتخابات النيابية والبلدية الأخيرة.

وتسود تساؤلات عما إذا كان انكشاف علاقة الإرهابيين الفارين، بشبكة أبو بكر حكيم و «داعش» في سوريا، سينعكس على مسار السياسة الخارجية الفرنسية، ومواقفها من دمشق في المستقبل. وتقول مصادر فرنسية إنه من المستبعَد أن يقود تصدر الخطر الأمني الخارجية الفرنسية، أو الاليزيه، إلى مراجعة سريعة لسياسة دعم المعارضة السورية، وفتح قنوات اتصال ديبلوماسي مع دمشق طلباً للتنسيق الأمني.

وتجري نقاشات كبيرة داخل أجهزة المخابرات الفرنسية، حيث يميل فرعها الداخلي، إلى استعادة الحوار مع دمشق، لتفعيل التعاون الأمني، ومواجهة عودة العشرات من «الجهاديين» الفرنسيين إلى فرنسا، ومضاعفة احتمالات تكرار هجمات من نوع «شارلي ايبدو».

ويقول مسؤول فرنسي إن الهجمات كانت متوقعة، لكننا لا نعرف متى، كما أنه من الصعب مواجهة التهديد الإرهابي الجديد من دون إحياء التعاون مع دمشق، وتكثيفه مع تونس، حيث لا وجود لأجهزة أمنية فاعلة، ومع الجزائر.

ويقول المسؤول الفرنسي إن رئيس المخابرات الخارجية برنار باجوليه لا يزال يعترض على تطبيع العلاقات مع دمشق، فيما يطالب ميدان من أصل خمسة في جهازه، بانعطافة سريعة نحو دمشق، لمواجهة التهديد الإرهابي. وتجري نقاشات كبيرة في الأوساط الديبلوماسية والأمنية الأوروبية، وتتعرّض باريس لضغوط أوروبية، وتجري اتصالات لتنسيق الموقف من استعادة العلاقة مع دمشق على ضوء التهديدات المشتركة. ولا توجد دولة أوروبية حتى الآن تعقد النية على الانفتاح وحدها على دمشق، والقيام بالخطوة الأولى وحدها من دون الآخرين.

(السفير)