Get Adobe Flash player

 

ظهر الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند هو وثلّة من وزرائه في مسرح الجريمة وسط العاصمة باريس، ورأى أنّ «حرية التعبير» مستهدفة، وأنّ «الإرهاب» لن يستطيع هزيمة الحرية، معلناً يوم «حداد وطني»، وهو ما تلقّفته صحيفة «ليبيراسيون» واصفةً إياه «بالقرار النادر» الذي لم يسبق له مثيل.

«لوموند» بدورها طرحت تساؤلاً خجولاً حول «التعديلات الأخيرة التي حصلت على المجموعة المكلّفة حماية صحيفة «شارلي إيبدو»، لكن الشرطة «رفضت الدخول في الجدل».

ردٌّ فرنسي رسمي وإعلامي لا يخلو من النمطية الأوروبية التي تحاول الابتعاد عن أصل المشكلة والالتفاف عليها بما يساعد في استمرار السياسة الغربية من جهة، ومن جهة أخرى احتواء غضب الرأي العام الغربي والذي ظهر بُعَيد الحادث بهجمات استهدفت بعض التجمّعات الإسلامية في فرنسا. إذ تطرح أسئلة متعدّدة حول سياق هذا الحادث في وجه بعض المراقبين الذين حاولوا التقليل من أهميته واضعين إياه في خانة «الانتقام» من الصحيفة التي نشرت رسوماً مسيئة للرسول العربي. لماذا الآن وفي هذا التوقيت حصل هذا الحادث؟ لماذا حصل الهجوم في ظلّ تحالف أميركيّ ضدّ «داعش»؟ ولماذا حصل بعد تطوير التدخّل الفرنسيّ في مالي وأفريقيا الوسطى وتلميحات بعض الساسة الفرنسيين الأخيرة لإمكانية توسيع التدخل العسكري في ليبيا؟ ألم تستوعب النخب الغربية أننا في حقبة عولمة الإرهاب المدعوم منها؟ هل «الحرب المقدّسة» التي روّج لها هولاند ووزير خارجيته، حرب تختصّ بمكان ما ومحدودة جغرافياً أم أنها «حرب شاملة»؟

الحكومة الاشتراكية أخطأت في سورية على وجه الخصوص. فهي على يمين واشنطن في الشأن السوري وتدعم توجّهات قطر والسعودية وتركيا في هذا الإطار، والحكومة الاشتراكية لم تتخذ، شأنها شأن الحكومات الأوروبية الأخرى، الإجراءات اللازمة لمكافحة الإرهاب وملفّ عودة الجهاديين. بل اكتفت بسنّ قوانين شكلية ذات هدف سياسي ليس إلا، من دون أن نغفل هنا التغاضي الفاضح عن الدور التركي الراعي عبور آلاف الشباب الأوروبيين المستلبين بدعاية «الحرب المقدسة» إلى سورية، وهنا لا بدّ من إعادة جملة تساؤلات طرحناها في مقال سابق حمل عنوان «راية الجهاديين في لندن وواشنطن» جاء في بعضٍ منه: «هل ترفع الراية الخضراء في عواصم الغرب؟ هل أضحت أوروبا والولايات المتحدة في مرمى ارتدادات الجهاد الشرعي في سورية؟ هل نشهد عودة المهاجرين من فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وألمانيا وهولندا إلى دولهم ليمارسوا فيها جهاد الخبرة التي اكتسبوها في سورية، خبرة استخدام الأسلحة وصنع القنابل والمتفجرات؟ هل أضحت الهجرة المعاكسة من سورية في ضوء التقدم الذي يحرزه الجيش العربي السوري على الأرض أمراً واقعاً يفرض هجرة معاكسة للجهاديين الأوروبيين والأميركيين؟».

يتحدّث الأوروبيون على الدوام عن ظاهرة «الذئاب المستوحدة»، لكن ما جرى منذ هجوم مهدي نموش وحتى مذبحة الصحيفة الفرنسية، يشير إلى العكس. فالمشتبه بهما وهما الأخوان «سعيد وشريف كواشي» مراقبان بحسب وزير الداخلية الفرنسي برنار كازونوف. ووفقاً لصحيفة «لوفيغارو»، فإن شريف «كان عضواً منذ عام 2000 في شبكة لتجنيد مقاتلين أجانب في العراق» هذا من جهة، ومن جهة أخرى تطرح العملية تساؤلات حول حجم الاختراق الأمني والتنظيم الذي تتمتع به هذه الجماعات في فرنسا، فإذا افترضنا أن كلام وزير الداخلية الفرنسي عن مراقبة «مرتكبي الهجوم» من قبل الأجهزة الأمنية الفرنسية صحيح، كيف يمكن تفسير قتل رئيس التحرير مع أربعة من أشهر رسامي الكاريكاتير في فرنسا؟

تدفع فرنسا ثمن سياستها الداخلية والخارجية، وهي نموذج عن أوروبا التي ستدفع ثمن مواقفها سواء على صعيد الحرب في سورية وحروب الهيمنة المستمرة دولياً، أو سواء على صعيد سياسات هجرة شعبوية غير منضبطة تسعى لاجتذاب قطعان من المهاجرين غير المستعدين للاندماج، تمهيداً لاستخدامهم كأدوات للضغط السياسي، وآلات للقتل كما يجري في سورية اليوم. من المؤكد أن واقع الإرهاب داخل أوروبا أصبح أمراً واقعا ًوسينسحب على باقي الدول طالما أن الاستراتيجية الغربية في سورية على حالها، والرئيس الفرنسي نسي أصوات التكبير في عاصمته، وألقى محاضرة للشعب الفرنسي في «حرية التعبير».

(البناء)