كتاب «المسألة الأخلاقية وأسلحة الدمار الشامل – مقارنة بين المنظورين الديني والعلماني» (عن الدار العربية للعلوم - ناشرون – إعداد سهيل هاشمي وستيفن لي) – كتابات لعدد من الأساتذة الجامعيين في الغرب ومعهم معدّا الكتاب، حول وجهات نظر الأديان السماوية الثلاثة الإسلامية والمسيحية واليهودية، والأديان الوضعية الكونفوشية والبوذية والهندوسية، وأيضاً وجهات نظر الليبرالية والقانون الطبيعي والسلامية والأنوثة والواقعية، من زاوية المفهوم الأخلاقي تجاه تطوير وتصنيع وتهديد أسلحة الدمار الشامل، وفي مقدمها السلاح النووي .

من الدراسات المذكورة ثمة ما يجدد التساؤل لدى القارئ حول قدرة الحبر السائل على منع الدماء السائلة نتيجة الحروب وتبريراتها، سواء بالقوانين أو بالتحريم الديني، بالتجريم المعنوي أو بإنزال العقوبات وازدواجية صوغها. ولعل في مقالة بول زاس (الأمم المتحدة وجامعة نيويورك) ما يختصر هذا التناقض واللبس فيقول: «بغية التوصل إلى قانون دولي، تعمد الحكومات إلى المحافظة على مصالحها البعيدة المدى والقصيرة المدى» (ص 46)، ما يسمح بالاستنتاج العفوي حول مفهومي القوة والقدرة والمصالح من جهة والمواعظ الأخلاقية من جهة ثانية، وهو ما سنقرأه في مقالة هنري شو (جامعة أكسفورد) في عنوان «الليبرالية» بقوله: «من الأخطاء القاتلة التي لا يمكن غفرانها هو إخفاق إدارة الرئيس بيل كلينتون في إلغاء حالة الإنذار النووي للولايات المتحدة، على رغم انهيار الاتحاد السوفياتي، وهذا الفشل الذي يشل القدرة العقلية للإنسان يبدو أنه انعكاس لعدم قدرة الإدارة المذكورة في السيطرة على العسكرتاريا» (ص 494)، وهو ما يتناقض مع «الليبرالية بكل أنواعها، وهي مجموعة من المبادئ التي تتفق على أن الإنسان هو رمز لوحدة القيم العليا، فكيف يمكن مبدأ يعتبر الأفراد بأنهم القيمة العليا أن يبرر قتلهم بأعداد هائلة؟» (ص 471). هذا «التطنيش» غاب حتى عن مجلس الأمن الذي «وعلى رغم سلطته، لم يصدر إلى الآن قراراً يمنع أسلحة الدمار الشامل أو الحد منها باعتبارها تهديداً للسلام» (ص 51)، كما لا توجد معاهدة تتطرق إلى شرعية السلاح النووي سلباً أو إيجاباً، وأقرب شيء إلى ذلك هو معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية» (ص 67).

منذ فجر التاريخ لم تغب الآلهة عن ادعاءات البشر للقتال باسمها أو دفاعاً عنها، وموّه أصحاب النظريات الأخلاقية لخدمة الإنسان جحافل أحقادهم ضد الآخر، أي آخر بشري، فطغى منطق الحرب والقتل على دعوات الخير السماوي منها والوضعي والقانوني. لقد أخضع الإنسان جميع النظريات لتفسيرات تخدم هذه الحرب أو تبرر المذابح، واللائحة تطول. في الكتاب ما يكشف زيف الصورة البراقة لتاريخ البشر حول التمسك بقيم الأخلاق ونبذ العنف، وطبعاً في التفسير المناسب، وإلا كيف يصح وصف بن غوريون بأنه أرسى عقيد طهارة السلاح الإسرائيلي؟ (ص 193).

يتناول هاشمي (جامعة ماونت هوليوك) نظرة الإسلام إلى أسلحة الدمار الشامل، فيرجع «ندرة النقاش الإسلامي حول هذا الموضوع إلى الجو السياسي الخانق الذي تعمل فيه غالبية المثقفين المسلمين» (ص 82)، ما يجعلنا نتساءل عما حقق المثقفون الليبراليون من نقاشاتهم حول منع هذا السلاح المدمر؟! الأمر الذي ينسحب على مجريات عرضه لوجهة النظر المذكورة، فيدعو محبي السلام المسلمين إلى توسيع اعتراضهم ليشمل حتى استعمال الأسلحة التقليدية بما فيها القنابل العنقودية والألغام الأرضية المضادة للأفراد والقنابل الحارقة! (ص 85). إنه حقاً منطق الذئب والحمل، فلا ندري من الذي يمتلك هذه القنابل ومن الذي رماها بمئات الآلاف في جنوب لبنان عام 2006، أو زرع ألغامها بالملايين في أرض أفغانستان وفي دول شرق آسيا وقصف بالنابالم فيتنام ومصر إلخ.

لم تبرح مقالة هاشمي الصورة النمطية الآخذة بالتركيز على فوبيا الإسلام والمسلمين، فلم يذكر امتلاك إسرائيل 400 رأس نووي (إشارة المترجم)، وربط بين الخوارج وحركتي «حماس» والجهاد الإسلامي الفلسطينيين، وطبعاً تنظيم «القاعدة»، ليخبرنا: بقوله «لقد أخبرني أحد الثقاة أن الرسول (يتحدث هنا عن النبي محمد) كان أول من استخدم المنجنيق في الإسلام عندما رمى الرجال المحاصَرين في الطائف» (ص 92). فكيف لباحث أن يعتمد على أحد الثقاة وليس على بحثه العلمي؟ وكيف تناسى ما سبق ظهور الإسلام من شعوب وحضارات اخترعت أسلحتها وقاتلت وقتلت بواسطتها... ناهيك عن سقطة ثانية وقع فيها بنقله عن مصدر من «أن مصر كدولة مسلمة استخدمت غاز الخردل والفوسجين في حربها في اليمن بين عامي 1963 و1967، وبلغ عدد ضحايا استخدام الغازات ما يقارب الألف شخص، غير أن المصادر عن هذه الحرب الكيماوية نادرة» (ص 97)! ليستنتج أنه «تبعاً لمبدأ المعاملة بالمثل الذي غالباً ما استشهد به المشرعون التقليديون، يعطي علماء الدين المعاصرون السماح باستخدام هذه الأسلحة، وعليه وفقاً لنظرية هؤلاء لا تثير أسلحة الدمار الشامل مشاكل إزاء أخلاق الإسلام ونظرته إلى الحرب» (ص 100).

تطرح مسألة تناول المسيحية سلاحَ الدمار الشامل في الكتاب فرضية أن أنظمة الحكم في الغرب تحكم وفقاً لنظام أوتوقراطي ديني مسيحي، وهذا غير موجود، بالتالي لم يحصر الباحث نيكل بيكار (كلية ترنيتي - دبلن) عرضه لموقف المسيحية من أسلحة الدمار الشامل بالجانب الديني الذي يدعو إلى المحبة والسلام، لأن ما ورد في البحث عبارة عن عرض منذ نظرية توماس الأكويني في القرون الوسطى حول شروط الحرب العادلة، مروراً بنظريات لكبار الفلاسفة، ثم موقف الكنيسة الكاثوليكية الرسمي «حول منع القتل العمد للأبرياء تحت أي ظرف كان»، والكنيسة الأنغليكانية في أميركا، متوقفاً أمام 11 أيلول (سبتمبر) «والتي غيرت الكثير من الكيفية التي تنظر فيها الولايات المتحدة في شكل خاص والغرب عموماً لقضية أمن البلاد» (ص 161). فهل يجوز الخلط بين النظرة المسيحية كدين وبين سياسة دولة عظمى مثل أميركا استخدمت القنبلة الذرية في الحرب العالمية الثانية (1945) بإبادة سكان مدينتي هيروشيما وناكازاكي، وإلقائها قنابل النابالم الحارقة والمحرمة دولياً في فيتنام؟

تذكر جوليا تشنك (جامعة تورونتو) أن «الترسانة النووية الاستراتيجية الأميركية تشتمل على 5400 رأس نووي مُركّب على صواريخ عابرة للقارات، و1750 قنبلة نووية جاهزة للتحميل على قاذفات بي 2 وبي 52 العابرة القارات، و1670 من الأسلحة التكتيكية، إضافة إلى وجود حوالى 10 آلاف رأس نووي مخزون في تحصينات تحت الأرض (ص 273).

وبدت دراسة روفن كميلمن (جامعة براندايس) عن اليهودية والحرب وأسلحة الدمار الشامل مكتوبة بعناية تستهدف تكرار الدعاية المملة حول طهارة سلاح الجيش الإسرائيلي (ص 193)، ونقاوة الفعل الحربي إلا في إطار الرد على الهولوكوست المستدامة بحقهم، فاستهلك صفحات عدة يبرز فيها عدداً من تصريحات ومواقف حاخامات وجمعيات يهودية عالمية ترفض وتدين لا أخلاقية استخدام الأسلحة النووية إلا دفاعاً عن النفس، ومن دون أية إشارة من كميلمن إلى اقتناء إسرائيل هذه الرؤوس النووية، يخلص إلى القول «من وجهة نظر اليهودية المعاصرة، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل هما الكفيلتان بضمان الشعب اليهودي والإنسانية أجمع (ص 196)!

يخلص القارئ إلى وحدة الاستنتاج حول الديانات الوضعية في ما يتعلق بطهارة العقيدة وممارسة عكسها في الحروب، إذ ينفي ديفيد تشابل (جامعة سوكا) الاعتقاد السائد بأن البوذية ديانة سلمية «فالقادة البوذيون حالهم حال القادة السياسيين الآخرين استخدموا العنف في أشكاله التقليدية لحماية بلدانهم» (ص 207)، وأن بوذا نفسه كان متشائماً حول إمكانية تحقق السلام في غياب توازن عسكري (ص 284) في حين تتناول جوليا تشنك الكونفوشية في الصين، فتعرض لهذه الفلسفة وثقافتها في فنون الحرب والسلام وتشير إلى أن الصينيين أول من اخترع البارود والألغام الأرضية والبحرية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، واستخدموا الفيضانات من خلال هدم السدود لإغراق المدنيين في حقبات ما قبل الميلاد، وصولاً إلى انضمام الصين إلى النادي النووي. أما كاثرين يونك (جامعة ماغيل) فقد قاربت الديانة الهندوسية من زاويتي لا عنف المهاتما غاندي وتبديد ربطها بالسلام عندما قامت الهند بتفجيرات ذرية عام 1998، وامتلاكها السلاح النووي بدعم من الولايات المتحدة وكندا، فالهندوسية «تفاخر بالحرب الدفاعية، وملحمتا الهند العظيمتان ماهاباهاراتا ورامايانا تركزان على المعارك (ص 284)، لكن الهندوس أوضح من سواهم بقولهم «إن نزع السلاح مطلب أخلاقي، ولكن في الوقت نفسه فإن نزع السلاح من جانب واحد عمل غير أخلاقي» (ص 312).

للمفارقة، فإن الدول التي تطالب بمنع انتشار سلاح الدمار الشامل هي التي تمتلك هذا السلاح، لذلك أتت مناقشات الكتّاب (القسم الثاني من الكتاب) عن المنظور العلماني، والواقعية، والقانون الطبيعي، والسلامية، وعن الأنوثة المناهضة للحرب كما لو أنها باقات زهور في غرفة عمليات حربية.