Get Adobe Flash player

 

توجهت الاسبوع الماضي الى موسكو، وفي هذه الاوقات من السنة تبدو الطبيعة مخيفة حيث تشرق الشمس عند الساعة العاشرة، ما يعني ان الليل الابيض يقابله نهار اسود ومعتم.

هذا يبدو مقلقا فانت لست في بلد اجنبي فقط انما في بيئة اجنبية ايضا لم تعتد عليها، وبينما سرنا نحو وسط مدينة موسكو، لأكثر من ساعة، اصبحت حركة المرور طبيعية والأجواء مختلفة قليلا.

يوجد في موسكو ثلاث مطارات، دوموديدوفو هو المطار الدولي الرئيسي وهو الابعد عن وسط البلد. هناك تحديثات لا تنتهي في موسكو.

بعد وقت قصير التقينا بمضيفنا وتوجهنا فورا للعمل والتحدث عن ما حصل خلال النهار، هو أمضى فترة طويلة في الولايات المتحدة، وكان على دراية باختلاف مظاهر الحياة بين الولايات المتحدة وروسيا. وقد كان هو المضيف المثالي، حيث كان يصف لي بلاده من وجهة نظر روسية وطنية.

خلا زيارتي تناولت الاحاديث مع اشخاص كثر منهم خبراء روس وطلاب في العلاقات الدولية ومواطنين عاديين (ممن لا تستخدمهم الوكالات الحكومية في مجال إدارة المصالح الخارجية الروسية والشؤون الاقتصادية)، ومعظمهم عبروا عن مشاعر القلق التي تعتريهم.

التوقعات الاقتصادية للروس

اعتقد أن المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها روسيا موجودة قبل كل شيء في أذهان الناس. انهيار الروبل، وانخفاض أسعار النفط، التباطؤ العام في الاقتصاد، وتأثير العقوبات الغربية كلها علامات على تراجع الاقتصاد الروسي. ولكن انخفاض قيمة الروبل اثرت على خطط السفر إلى الخارج، والجمهور في الآونة الأخيرة بدأ يشعر بالتأثير الحقيقي لهذه العوامل، لا سيما من خلال التضخم.

ولكن هناك اسباب اخرى مرتبطة بالهدوء النسبي حول الوضع المالي، ليس فقط من جهة المسؤولين الحكوميين ولكن أيضا من جهة الأفراد، وأشار الروس إلى أن حالة الفوضى الاقتصادية كانت هي القاعدة بالنسبة لروسيا، والازدهار هو استثناء، فهناك توقع دائم بأن الازدهار سينتهي.

عانى الروس بشكل كبير تحت حكم "بوريس يلتسين" وكذلك في ظل الحكومات السابقة التي تعود إلى القياصرة. وعلى الرغم من ذلك، هم استطاعوا الفوز بالعديد من الحروب وتمكنوا من الاستمرار. بحسب المسؤولين الحكوميين العصر الذهبي الذي استمر لعشر سنوات يقترب من نهايته، ولكن أنا لا أعتقد أنها ذلك.

قوة الروس هي في قدرتهم على تحمل الأشياء التي من شأنها أن تكسر الدول الأخرى، وأشير إلى أنهم مستعدون لدعم الحكومة بغض النظر عن كفاءتها اذا شعروا باي تهديد. لذلك، لا ينبغي لأحد التوقع بأن العقوبات، مهما كانت قاسية، من شأنها أن تدفع موسكو الى الاستسلام.

وعلى العكس هم يردون على العقوبات بأخرى مماثلة عبر: الاستيلاء على أصول الشركات الغربية في روسيا، تقليص الواردات الزراعية من أوروبا، وقطع إمدادات الغاز الطبيعي إلى أوروبا.

إذا كان هذا هو الحال، فالأميركيين والأوروبيين يخدعون أنفسهم. بشكل عام، أنا لدي ثقة كبيرة في اهمية العقوبات، ولكن الروس دفعوني لأنظر الى الموضوع من منظور اخر، العقوبات تعكس الالم الأوروبي والأمريكي، وهم باعتقادهم ان الدول لا تستطيع الصمود امامها ولكن احيانا الاثار تختلف.

شعوري هو أن الروس كانوا جادين، وهذا ما يفسر عدم تآكل ثقهم بعد زيادة العقوبات، وانخفاض أسعار النفط، والركود الاقتصادي. وتشير الاستطلاعات الى ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يزال يحظى بشعبية هائلة. ولكن بالنسبة لي أهم درس تعلمته في روسيا هو أن الروس لا يستجيبون للضغط الاقتصادي كما يفعل الغربيون، وأن شعار حملة الرئاسة، "إنه الاقتصاد، يا غبي"، قد لا ينطبق بنفس الطريقة في روسيا.

في الشأن الأوكراني

موضوع اوكرانيا كان اكثر حدية، فهناك توافق على أن ادارة اوباما حاولت عبر الحملات الدعائية التي شنتها الى الترويج لفكرة ان روسيا هي المعتدي في اوكرانيا، ولكن هذا الموضوع تدحضه نقطتين: اولا، شبه جزيرة القرم كانت تاريخيا جزءا من روسيا ويسيطر عليها بالفعل الجيش الروسي في إطار معاهدة مكتوبة، وهذا يعني انه لم يكن هناك غزو بل مجرد تأكيد للواقع. ثانيا، عدد كبير من الروس متواجدون في شرق أوكرانيا، وهم ارادوا ان يكون لهم حكم ذاتي.

وأشار أحد الباحثين إلى ان نموذج كندا والكيبيك يظهر أن الغرب في العادة ليس لديهم مشكلة مع الحكم الذاتي الاقليمي، ولكن صدموا بأن الروس يرغبون بشكل من الاشكال بممارسة الحكم الشائع في الغرب.

حالة كوسوفو هي في غاية الأهمية بالنسبة للروس لأنهم يشعرون بأن رغباتهم تم تجاهلها هناك، وأن ما حصل هو سابقة. سنوات بعد سقوط الحكومة الصربية التي هددت الألبان في كوسوفو، منح الغرب كوسوفو استقلالها. فقد انتقد الروس إعادة رسم الحدود على الرغم من عدم وجود خطر على كوسوفو. ومن وجهة النظر الروسية، بعد إعادة رسم خريطة صربيا، الغرب ليس لديه الحق في الاعتراض على إعادة رسم خريطة أوكرانيا.

أحاول عدم الانجرار إلى مسائل الحق والباطل، ليس لأنني لا أعتقد أن هناك فرقا ولكن نادرا ما يقرر التاريخ وفقا للمبادئ الأخلاقية. لقد فهمت وجهة نظر الروس في كون أوكرانيا هي منطقة معزولة استراتيجيا، وفكرة أنه من دون ذلك هم سيواجهون تهديدا كبيرا، إن لم يكن الآن، ففي يوم من الأيام.

وفي محاولة لتوفير منظور استراتيجي أميركي، اذكر ان الولايات المتحدة قامت في القرن الماضي بملاحقة هدف واحد: تجنب ظهور أي قوة مهيمنة قد تكون قادرة على استغلال التكنولوجيا الغربية والأوروبية ورأس المال والموارد الروسية والقوى العاملة. تدخلت الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى في العام 1917 لمنع الهيمنة الألمانية، ومرة أخرى في الحرب العالمية الثانية، وفي الحرب الباردة بهدف منع الهيمنة الروسية، وكانت سياسة الولايات المتحدة ثابتة لقرن.

كانت الولايات المتحدة حذرة من صعود أي قوة مهيمنة، والخوف من عودة روسيا هو اساس الحرب الباردة، ولكن هذا التفكير لم يأت من فراغ، فكما قال احدهم "الضعف الاقتصادي نادرا ما يعني الضعف العسكري أو الانقسام السياسي". وهذا هو بالضبط السبب في أن الولايات المتحدة لديها خوف من المشروع الروسي في أوكرانيا. روسيا لديها قوة عسكرية وسياسية يمكن أن تؤثر على أوروبا. ولذلك، فإنه من غير المنطقي بالنسبة للولايات المتحدة، وعلى الأقل بالنسبة لبعض البلدان الأوروبية، التفكير بتثبيت قوتهم في أوكرانيا.

عندما طرحت هذه الحجة على مسؤول كبير في وزارة الخارجية الروسية، قال انه ليس لديه فكرة عما كنت أحاول أن أقول. بينما اعتقد انه يفهم تماما الضرورات الجيوسياسية التي توجه روسيا نحو أوكرانيا، وان الضروراتالتي توجه الولايات المتحدة لا تزال صعبة التطبيق في القضية الأوكرانية. إنها ليست مسألة رؤية فقط، وأود أن ألفت الى ان الاستراتيجية الاميركية ليست مرتبطة بالواقع. هناك استجابة أميركية تلقائية إلى ما تعتبره الحزم الروسي، ومع ذلك يشعر الروس بأنهم بعيدون كل البعد عن الهجوم. المخاوف الأميركية من الهيمنة الروسية ببساطة هو مطلب بعيد المنال.

خلال لقاءاتي مع كبار موظفي معهد العلاقات الدولية، حاولت ان اتناول مسار مختلف، للتوضيح بأن الروس احرجوا الرئيس الأميركي باراك أوباما في سوريا، أوباما لم يرغب في مهاجمة سوريا عندما تم استخدام الغاز السام لأنه عسكريا كان الموضوع صعب جدا، ولأنه إذا أطاح بالرئيس السوري بشار الأسد، فهو سيفتح المجال امام الجهاديين السنة لتسلم دفة الحكم في البلاد.

الولايات المتحدة وروسيا لديهم مصالح مشتركة في سوريا، وانا اعتقد ان روسيا حاولت إحراج الرئيس وجعل المسالة تبدو وكان بوتين قد أجبره على التراجع، وهذا ما دفع الولايات المتحدة الى الرد بهذه الطريقة في أوكرانيا. بصراحة، أعتقد أن تحليلي الجيو- سياسي أكثر تماسكا من هذه الحجة لكنني حاولت ذلك.

المستقبل بالنسبة لروسيا والغرب

السؤال الأهم ما سوف يحدث لاحقا؟ السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كانت الأزمة الأوكرانية سوف تمتد الى دول البلطيق، ومولدوفا أو القوقاز. وقد أثرت هذا الموضوع مع مسؤول في وزارة الخارجية وكان الملفت للنظر من خلال نقاط عدة بأن هذه الأزمة لن تنتشر.

أنا اجد أنه لن يكون هناك أي تطورات سلبية في دول البلطيق، او اضطرابات في مولدوفا او اي عمل عسكري في القوقاز. اعتقد ان المشاكل الاقتصادية لن تدوم، الغرب لديه الموارد اللازمة للتعامل مع الأزمات المتعددة، وروسيا تحتاج لاحتواء هذه الأزمة في أوكرانيا.

الروس بحاجة الى لفتة هامة لحماية مصالحهم. وجهة نظرهم بضرورة وجود حكم ذاتي اقليمي في العديد من البلدان هي مقنعة. ولكن التاريخ يدور حول السلطة، والغرب يستخدم قوته للضغط على روسيا بشدة، ومن الواضح، انه ليس هناك ما هو أكثر خطورة من إصابة الدب الروسي، ولكن قتله لن يكون سهلا.

في النهاية خرجت بتحليلين: واحد، أن بوتين أكثر أمنا مما كنت اعتقد، ولكن في نظام الأشياء، هذا لا يعني الكثير، لان الرؤساء يأتون ويذهبون، وإنما هو تذكير بأن الأمور التي من شأنها أن تسقط الزعيم لن تمس الرئيس الروسي.

ثانيا، الروس لا يخططون لشن اي عدوان، الدول في كثير من الأحيان ليست على علم بما هو على وشك أن يحدث، وهي قد تتفاعل بطرق قد تكون مفاجأة في بعض الاحيان. الخطير هو الإجراء غير المتوقع، سواء من قبل الآخرين او من قبل روسيا.

تحليلي العام يقول: مهما فعلت روسيا في دول العالم، تبقى أوكرانيا هي ذات أهمية استراتيجية أساسية لها، حتى لو حصلت دول الشرق على درجة من الحكم الذاتي، تبقى روسيا تشعر بقلق عميق حول العلاقة مع ما تبقى من أوكرانيا. التاريخ الروسي هو حكاية "مخازن مؤقتة"، روسيا تريد ترتيبا يترك أوكرانيا على الأقل محايدة.

وبالنسبة للولايات المتحدة، أي قوة صاعدة في أوراسيا تحتاج الى استجابة تلقائية. وعلى الروس ان يدركوا ان الولايات المتحدة شديدة الحساسية في وجه أي ظهور روسي في المنطقة.. وقد أنفقت الولايات المتحدة في القرن الماضي الكثير من امكانياتها لعرقلة توحيد أوروبا.

الولايات المتحدة وأوروبا لديهم مشكلة في فهم مخاوف روسيا، وروسيا لديها مشكلة في فهم المخاوف الأمريكية بشكل خاص. والمخاوف على حد سواء هي حقيقية ومشروعة. هذه ليست مسألة سوء فهم بين البلدان ولكن من الضروريات غير المتوافقة، لا يمكن حل مشكلة بين اثنين من الدول الكبرى التي تبدو مضطرة لحماية مصالحها، وبذلك يجب أن تجعل الآخرين يشعرون بالتهديد.

لقد تعلمت الكثير من زيارتي، أنا لم اتعلم كيفية حل المشكلة، ولكن على أقل تقدير فهمت المخاوف.

ستراتفور

ترجمة: وكالة اخبار الشرق الجديد-ناديا حمدان

http://www.stratfor.com/weekly/viewing-russia-inside#axzz3M9PFuyQa