Get Adobe Flash player

 

قرّرت السلطة الفلسطينية، وردّاً على جرائم الاحتلال الصهيوني التي كان آخرها اغتيال الوزير زياد أبو عين، التحرّك لدى مجلس الأمن، أولاً لإدانة جرائم «إسرائيل» والعمل على وقفها. وثانياً، من أجل انتزاع اعتراف بالدولة الفلسطينية وتحديد أجل زمني لإنهاء المفاوضات وتسليم الكيان الصهيوني بما تطالب به السلطة الفلسطينية.

ومصير هذه المساعي واضح ولا يحتاج إلى كثير من الجهد للتعرّف عليه، فإذا لم يفرَّغ المشروع من مضمونه ويصبح بحدود لا تؤذي الكيان الصهيوني، بل وحتى لا يؤذي حكومة نتنياهو، سيكون مصيره سلة مهملات مجلس الأمن، إما بالفيتو الأميركي، أو عن طريق الضغوط التي ستمارسها الحكومات الغربية لكي لا ينال مشروع القرار الأغلبية التي تضطر الإدارة الأميركية للإيعاز إلى مندوب الولايات المتحدة في مجلس الأمن لاستخدام الفيتو.

السلطة الفلسطينية تدرك هذه المآل ولا يظن أيّ عاقل أنّ لدى السلطة حسابات ورهانات أخرى. إذاً، لماذا وعلى الرغم من المعرفة المسبقة بأنّ هذه المساعي لا طائل منها، تعتمدها السلطة الفلسطينية وتعتبرها شكلاً من أشكال الردّ المتاحة على الاعتداءات المتمادية لقوات الاحتلال بحق الفلسطينيين؟

الواقعية السياسية تقتضي الإقرار بأنه رغم أنّ هذه المساعي لن تترتب عليها أيّ نتيجة، إلا أنها شكل من أشكال الضغط على الكيان الصهيوني وعلى الإدارة الأميركية، كما أنه عمل سياسي يساهم في تعرية ممارسات الكيان الصهيوني أمام الرأي العام وأمام المجتمع الدولي، ويفضح دور الولايات المتحدة بالتواطؤ مع الاحتلال والتستر على جرائمه، وبديهي أنّ أيّ عاقل لا يمكنه أن يقلل من أهمية مثل هذا العمل.

لكن هذا الجهد لا يمكنه في أيّ حال من الأحوال أن يوقف ممارسات العدو الشائنة وجرائمه المتكرّرة بحق الفلسطينيين، كما أنه لا يستطيع انتزاع أدنى حق من حقوق الشعب الفلسطيني، وفي ضوء هذه الحقيقة فإنّ اللجوء إلى مجلس الأمن يشكل بحدّ ذاته ردّاً تكتيكياً غير فاعل، ولا يمكن أن يحقق أيّ نتيجة إذا لم يكن جزءاً من استراتيجية أوسع تتضمّن أشكالاً أخرى من الضغط على الاحتلال. استراتيجية تتنوّع وتتكامل في داخلها أشكال النضال المختلفة، من النضال السياسي الديبلوماسي عبر اللجوء إلى المحافل الدولية، إلى المقاومة الشعبية السلمية، وانتهاءً بأعمال المقاومة المسلحة، فتجارب التاريخ أثبتت أنّ استعماراً استيطانياً غاشماً مثل الاستعمار الصهيوني لأرض فلسطين لا يمكن قهره وإزاحته عن طريق العمل السياسي والنضال الجماهيري السلمي وتجربة العرب مع الكيان الصهيوني دليل قاطع، فالاحتلال لم يحترم القرار 425 الذي قضى بانسحاب القوات الصهيونية من لبنان لمدة تقارب الربع قرن، ولولا المقاومة لما انسحبت قوات الاحتلال من لبنان من دون قيد أو شرط، وانسحاب القوات الصهيونية من قطاع غزة ما كان ليتحقق لولا الكفاح المسلح والانتفاضات الجماهيرية المتواصلة ضدّ الاحتلال. وانتزاع حقوق الفلسطينيين وتحرير الأرض لن يتحقق إذا لن يردف العمل السياسي والدبلوماسي، والانتفاضات الشعبية المتواصلة في القدس والضفة الغربية بالكفاح المسلح.

(البناء)