Get Adobe Flash player

 

اتخذت الحكومات الغربية عدداً من الإجراءات تحت مُسمّى «قوانين مكافحة الإرهاب». وصارت إجراءات سحب جواز السفر وإسقاط الجنسية أو الإقامة من «الجهاديين» الغربيين في سورية والعراق وحتى باكستان وأفغانستان ومالي، أمراً واقعاً، فُسّرت من جانب بعض الخبراء الغربيين بأنها إجراءات ذات مفعول عكسيّ، فهي تساهم أكثر فأكثر في تمسّك هؤلاء الإرهابيين بموقفهم والقتال حتى النهاية، مع تعذّر العودة إلى بلادهم و«توبتهم» فيها.

من تولوز وتفكيك شبكة رئيسية لتهريب «الجهاديين»، إلى سورية، إلى بريطانيا التي يعدّ «مجاهدوها» الأكثر تطرّفاً في صفوف نظرائهم الغربيين، إلى حادثة سدني و«بطلها» «الشيخ الإيراني الشيعي» الذي بايع «الخليفة البغدادي»، إلى ظاهرة مهدي نموش والذئاب المستوحدة، وصولاً إلى استهداف الأطفال عبر تنظيمات «القاعدة» من اليمن إلى باكستان التي شهدت الثلاثاء الماضي مجزرةً مروّعة راح ضحيتها 132 تلميذاً وتسعة من المعلّمين والمعلّمات، بعد اقتحام حركة «طالبان ـ باكستان» مدرستهم في بيشاور.

«خطر يخرج عن نطاق السيطرة»، عبارةٌ اختارتها «لوفيغارو» الفرسية لوصف ما جرى في باكستان من قبل حركة «طالبان»، لكن هل يقتصر هذا التوصيف على باكستان، أم يشمل دول التدخل العسكري الغربي المنحرف؟

إنّ خروج الحركات المتطرّفة عن نطاق السيطرة صار يهدّد دول العالم كافة من دون استثناء. لكنه تهديد موجّه لخدمة سياسات التفرقة والرعب والاضطراب في دول العالم، بما فيها الدول الأوروبية. فالشعارات «العرقية» أصبحت شائعة في ألمانيا بحسب أحد عناوين «لوموند» الفرنسية، والخوف من هذا المارد الإسلامي في أستراليا تضخّم على إثر أحداث سدني وأزمة رهائن «الشيخ» الذي اتضح أنه ملاحَق من قبل الحكومة الإيرانية بتهم الاحتيال، وأنه متّهم بارتكاب أكثر من أربعين اعتداءً جنسياً، لكن التركيز على «مشيخته» ومذهبه كان الأكثر وضوحاً في تغطية الإعلام الغربي ما حدث في أستراليا.

الأمر لا يقف عند هذا الحدّ، بل يأخذ أبعاداً مستجدة يوماً بعد آخر. لعلّ أكثرها مدعاةً للتأمّل، ما نشر على صفحات «لوموند» الفرنسية في تقرير من مراسلها في لندن عن الصراع القائم بين «محمد وجورج». فالمسلمون البريطانيون أو المقيمون في بريطانيا يشكّلون 4 في المئة من السكان، لكن اسم «محمد» حلَّ في المرتبة الأولى بين أسماء المواليد الجدد في بريطانيا، متقدّماً خلال السنوات الأربع الأخيرة بمقدار 97 مرتبة، وحلّت خلفه أسماء مثل «أوليفر وجاك» التي تعتبر من الأسماء التقليدية في المملكة المتحدة. والأمر لا يقف عند هذا الحدّ، بل إنّ أسماء «عمر وعلي وإبراهيم» كانت من بين قائمة الأسماء المئة الأولى في بريطانيا. هنا نلاحظ أنّ الأمر صار يوجَّه في إطار الصراع المجتمعي، والدفع بالمجتمعات الأوروبية نحو يمينية أكثر تطرّفاً كتلك التي نشاهدها اليوم في ألمانيا وفرنسا وغيرهما من دول أوروبا والتي تستهدف المهاجرين واللاجئين تحديداً. تحوّل يمسّ المجتمعات الأوروبية وبنيتها من دون أن ينعكس ولو بالحدّ الأدنى على السياسات الخاصة بالهجرة. فالحكومات الأوروبية تبدو أكثر ميلاً إلى تأييد سياسات الأحزاب «الشعبوية» في ما يخصّ التساهل في إجراءات قبول اللاجئين والمهاجرين.

هي «فوبيا الإسلام» والصراع الوجودي تعود من جديد متزامنةً مع حرب جديدة للإدارة الأميركية على إرهاب تجسّد اليوم بصورة «دولة» تمدّدت إعلامياً حتى وصل علمُها إلى أستراليا.

(البناء)