اصرار الموفد الفرنسي جان فرنسوا جيرو على استكمال جولته في المنطقة وزيارة طهران والرياض لبحث الملف الرئاسي اللبناني، لن يغير من الوقائع كثيرا، ولن تختلف الاجواء التشاؤمية التي خلص اليها بعد المحادثات التي أجراها مع القيادات والكتل والتيارات المعنية بانتخابات رئاسة الجمهورية في بيروت، عما سيسمعه من المسؤولين الايرانيين والسعوديين، فمن الواضح ان هذا الاستحقاق لا يزال في «ثلاجة» الانتظار، ولا يبدو ان احدا من الاطراف المعنية على استعجال من امره لتقديم تنازلات قبل نضوج التسويات الكبرى في المنطقة، الا اذا تأمن الثمن المطلوب لتقديم تنازلات مرحلية.

هذه الخلاصة لاوساط ديبلوماسية في بيروت، تعود الى سببين رئيسيين، الاول جوهري يتعلق بالظروف المحيطة في المنطقة، والثاني شكلي يرتبط بضعف قدرة الفرنسيين على التأثير في الاحداث، ففي البعد الاول لا احداث دراماتيكية على الجبهات المفتوحة تستدعي تراجعا في المواقف على الساحة اللبنانية، فموازين القوى لا تزال على حالها في الاقليم، وخصوصا في سوريا، فلا هزائم كاملة ولا انتصارات شاملة لاي من اطراف النزاع، وكذلك فان القوى المعنية بالاستحقاق تعايشت مع نحو 200 يوم من الشغور دون اي تداعيات امنية او سياسية جدية في لبنان تستدعي البحث عن مخارج «غب الطلب»، وهي قادرة على الاستمرار على هذا المنوال في رهان واضح على الوقت. ولذلك لا داعي للاستعجال.

وقبل حديثها عن ضعف الموقف افرنسي ، تشير تلك الاوساط الى عدم وجود ترابط بين زيارة جيرو ونائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف الى لبنان، ومن يتحدث عن تقاطع رئاسي في الزيارتين مخطىء تماما، لان الروس ليسوا في صدد تجاوز حلفائهم في المنطقة وليسوا معنيين مباشرة بالملف الرئاسي، ويقاربونه في اطار العنوان العام، وجل اهتمامهم منصب على الملف السوري. في المقابل فان باريس لم تعد تملك وزنا سياسيا وديبلوماسيا يسمح لها بفرض تسويات، كما انها ليست جزءا من تلك التسويات المفترضة، فهي على المستوى العملي تملك «بضاعة» غير مطابقة للمواصفات وهي لا تتمتع باي قدرة على فرض نفوذها على الساحة اللبنانية، «والمونة» التي كانت تحظى بها سابقا من خلال علاقاتها المؤثرة بالجانب المسيحي، لم تعد قائمة اليوم، فالاطراف المسيحية وخصوصا المارونية منها باتت في معسكر آخر، وهي موزعة بين قوى 14 آذار القابعة في «الحضن» السعودي - الاميركي، والتيار الوطني الحر ومسيحيي 8 آذار الذين لا يخفون تحالفهم الوثيق مع محور المقاومة في المنطقة، ولذلك لا تملك باريس القدرة على احداث اختراق رئاسي على المستوى الداخلي، وجل ما يمكنها فعله ملء الفراغ، بعرض افكار ومقاربات لا تلامس جوهر المشكلة لانها غير قادرة على حلها.

والمعضلة الفرنسية الثانية تتعلق بالوزن الدولي والاقليمي، فباريس تقول الاوساط الديبلوماسية، فقدت دورها الريادي وتتحرك تحت «مظلة» اميركية ترسم حدود هذا الدور وتحدد قدرته على الفعل، وحاليا لا تستطيع تجاوز دورها «كسمسار» للصفقات يتقاضى العمولات المالية، وهذا ما تجسد من خلال الهبة السعودية للجيش اللبناني، اما محاولة فرنسا تجاوز حدود هذا الدور فدونه عقبات كثيرة، اهمها عدم رغبة حلفائها في منحها دورا يتجاوز حدود قدراتها الفعلية، وكذلك عدم رغبة «خصومها» في منحها نجاحا لا تستحقه ولا يمكن صرفه على «طاولة المفاوضات».

وتشرح تلك الاوساط هذه المعادلة بالتساؤل عما تملكه فرنسا من «اوراق» للمقايضة اذا ما كانت ستمنح «شرف» حل معضلة الرئاسة اللبنانية؟ فهل ثمة ما يمكن منحه بالمجان؟ ولماذا ستسمح الولايات المتحدة لباريس بقطف ثمار هذا الملف؟ فاذا كانت واشنطن قد اعطت «ضوءا اخضر» للمبعوث الفرنسي لجوجلة الافكار على الساحة اللبنانية، فهي بالتاكيد ليست في صدد منحه «شيكا» على بياض لاجتراح الحلول او ايجاد المخارج، فالكلمة الحاسمة ستبقى في واشنطن، لكن طالما ان التسوية لم تنضج بعد فلا ضير من «كاسحة الغام» فرنسية تمهد الطريق وتزيل بعض العقبات. وهذا الموقف ينسحب ايضاً على المملكة العربية السعودية التي تدرك جيداً ان الطرف الفرنسي غير قادر على منحها اي امتيازات خاصة في هذا الملف، وعلى العكس من ذلك تبدو لها اليد الطولى في العلاقة معه من خلال «اللهاث» الفرنسي وراء الصفقات المالية السعودية، ولذلك لن تفرط الرياض بالملف اللبناني دون اثمان، والثمن لا يقبض من باريس، ففاقد الشيء لا يعطيه، واذا ما كان من حل ترتسم معالمه في الافق فالطرف المعني هو واشنطن، واذا ما كان هناك اي تنازل او مساومة على هذا الاستحقاق، فهو سيتم مع الطرف الاميركي الذي يحضر بقوة في اكثر من ملف في المنطقة، وقد تحتاج الرياض «الممسكة» «بخيوط اللعبة» على قسم من الساحة اللبنانية الى الاحتفاظ بهذه «الورقة» الى مرحلة لاحقة ظنا منها ان «الثمن» سيكون مناسبا اكثر، فلماذا الاستعجال ومنحه مجانا للفرنسي؟

طبعا هذه المعادلة موجودة ايضا على الضفة الاخرى تضيف الاوساط، فايران التي تضع هذا الملف بين يدي الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، تعرف جيدا انه يملك عقلا استراتيجيا ينطلق منه في مقاربة الاستحقاق الرئاسي اللبناني، وانطلاقا من هذه المعادلة لا تفريط بالحليف المسيحي المتمثل بالجنرال ميشال عون، باعتباره لاعبا اساسيا مقررا في هذا الملف، ولا تفريط بقيمة هذا الاستحقاق الذي اصبح جزءا لا يتجزأ من المعادلة الكبرى في المنطقة، وأي تسويات مفترضة لن تكون خارج سياق هذه الحسابات، فلا تفريط مجاني، ولا تسويات الا مع الاطراف القادرة على تنفيذ التزاماتها على المستوى الداخلي والاقليمي، والتي تملك ايضا تاثيرا مباشرا في قضايا اخرى ذات اهتمام مشترك، وهذه المواصفات لا تنطبق طبعا على الجانب الفرنسي غير القادر على تجاوز دور «ساعي البريد» الذي لم يتمكن حتى الان الا من نقل «رسائل» دون عناوين واضحة.

طبعا هذا يفسر عدم قدرة جيرو على تبني او طرح اسماء رئاسية محددة باعتبارها شخصيات «وسطية» يمكن تسويقها بين الاطراف كافة، فخلال زيارته اللبنانية الاخيرة تجنب هذا الامر لعدة اعتبارات بحسب الاوساط، اهمها ادراكه ان بلاده لا تملك القدرة على تبني اي مرشح والعمل على تسويقه، كما انه يعرف جيدا ان اي مرشح يجري تبنيه فرنسيا في هذه المرحلة سيعني حرق «اوراقه» الرئاسية لاعتبار بسيط، ففرنسا ليست طرفا محايدا ومجرد دعمها لمرشح بعينه يعني انه لم يعد وسطيا ولا يمكن تسويقه في مرحلة لاحقة عندما تنضج التسويات ويجلس «اللاعبون» الجديون الى «الطاولة».

وفي رأي تلك الاوساط، فان بقاء المناخات الداخلية والخارجية ضمن دائرة المراوحة السياسية والامنية الراهنة، يعني ان امد الفراغ سيطول، والتعويل الان على تطورات الحدث السوري، الاكثر تأثيرا في كيفية مقاربة هذا الاستحقاق في الاشهر الثلاثة الاولى من العام الجديد، في المقابل فان المعطى الداخلي سيكون أقل تأثيرا في المدى القصير مع وجود «قناعة ضمنية» لدى القوى السياسية السنية والشيعية المؤثرة بعدم قدرتها على التفاهم على هوية الرئيس الجديد بمعزل عن حلفائها المسيحيين، وبمعزل عن المعطيات الاقليمية والدولية. واذا كان ثمة من يتحدث عن اطمئنانه لغياب الرغبة عند حزب الله وتيار المستقبل بخوض مواجهة ساخنة تسمح بتغيير موازين القوى تمهيدا لانتاج الرئيس، فان البعض الاخر يتساءل عما اذا كان الطرفين قادرين على مسك كامل «خيوط اللعبة»؟؟

(الديار)